دعاء 3
الحلقة الثانية والعشرون
انتهى حفل الزفاف و غادر أدهم و شقيقته عائدين الى القاهرة، بينما حمد أخذ عروسه الى شقته بالطابق الثالث بالدوار و دلف بها الشقة و هو يسمي بسم الله ثم أغلق الباب في وجه حماته التي كانت تصر على الدلوف مع ابنتها..
وقفت صافية في منتصف الصالة و هي تطأطئ رأسها بخجل فخلع حمد جلبابه و ألقى به على أقرب كرسي ثم وقف قبالتها و رفع رأسها لمستوى وجهه يتأملها باعجاب فقد كانت جميلة حقا..
ـــ هتفضلي باصة للأرض كتير؟!
أخذت تحرك عينيها في كل اتجاه عداه غير قادرة على النظر بعينيه من فرط الخجل.
ـــ بصيلي يا صافية..
بالكاد نظرت في عينيه فابتسم باعجاب من فرط خجلها فابتسمت هي أيضاً حتى ظهرت غمازتها اليمنى.
ـــ تعالي ندخل قوضتنا نغير هدومنا..
هزت رأسها بايجاب ثم قبض على كفها البارد و دلفا سويا لغرفة النوم..
ـــ هتعرفي تقلعي الطرحة و الحجاب ولا أساعدك؟!
هزت رأسها و لم تتكلم، فزفر بملل ثم قال بحدة طفيفة:
ـــ أنا لحد دلوقتي مسمعتش صوتك… انا قربت أنساه اصلا.
جعدت ملامحها بضيق:
ـــ باه!..اجول ايه عاد؟!
رد بنفاذ صبر و هو يدير ظهرها نحوه:
ـــ ولا حاجة.. لفي..
أخذ ينزع دبابيس الطرحة و الحجاب واحدا تلو الآخر ثم أزال الحجاب حتى بدى لها شعرها الأسود الغجري، فقام بفك عقدته حتى انسدل على ظهرها و وصل الى آخره فحانت منه نصف ابتسامة اعجابا به ثم سألها بنبرة هادئة:
ـــ أفتحلك السوستة ولا هتعرفي تفتحيها؟!
ردت بغباء:
ـــ أمي جالتلي خلي عريسك يفتحلك سوستة الفستان.
اصتك فكيه بغيظ ثم دون أن يتفوه بشئ قام بازاحة شعرها جانبا و فتح السحاب ثم تركها و اتجه نحو الخزانة استخرج ملابس للنوم ثم قال بضيق:
ـــ أنا هطلع برا اخد شاور و اغير هدومي على ما تكوني غيرتي انتي كمان.
لم ينتظر ردها، فهي لم تكن لترد من الأساس ثم خرج من الغرفة صافعا الباب خلفه.
بعد حوالي نصف ساعة عاد اليها مرتديا بنطال و تيشيرت منزلي فوجدها تجلس على حافة الفراش مرتدية قميص أبيض من الستان يعلوه روب أبيض من نفس الخامة و شعرها منسدلا على ظهرها و كتفيها، فابتسم بسخرية حين ورد على عقله أن بالتأكيد أمها من قالت لها ترتدي ذلك الرداء.
تقدم منها حتى جلس بجوارها ثم سألها بجدية:
ـــ انتي عارفة احنا المفروض نعمل ايه دلوقتي؟
هزت رأسها بنفي، فتنهد بنفاذ صبر:
ـــ قومي نبدأ حياتنا بالصلاة و نتعشى و بعد كدا ربنا يفرجها.
نهضت معه ثم ارتدت اسدال الصلاة و صلى بها المغرب و العشاء جماعة ثم قامت بتجهيز الطعام و تناولا بعض لقيمات صغيرة في جو من الصمت التام.
انتهيا من الطعام ثم دلف حمد الغرفة فلحقت به، وجدته يقف أمام المرآة يمشط شعره فوقفت خلفه تفرك كفيها بتوتر و خجل، فالبطبع رأى حالتها تلك عبر المرآة فاستدار لها يتأمل خجلها قليلا، ثم مد يديه الى كتفيها يزيح كمي الروب عنهما فأبعدت كفيه و هي تغطي نفسها و تقول بغضب:
ـــ باه… عتعمل ايه عاد؟!
رد عليها بسماجة:
ـــ ايه؟!.. اومال انتي لابسة كدا ليه؟!
أجابته بعفوية:
ـــ أمي جالتلي البس الجميص الابيض ليلة الدخلة.
ضحك حمد بملئ فمه فلم يخطئ حدسه، فعاد يمسك يديها التي تغطي بهما مقدمة صدرها و أنزلهما الى جانبيها ثم أزاح الروب عن كتفيها مرة أخرى حتى أسقطه على الأرض، فهاله ما رأى من جمال بشرتها البيضاء الناعمة نعومة الأطفال و أخذ يبتلع ريقه و هو يتحسس بشرة كتفيها بأصابعه و يقول بنبرة مثيرة:
ـــ و أمك مقالتلكيش اني هخلعك الروب؟
أطرقت رأسها بخجل من لمسته و نبرته التائهة و هي تهز رأسها بايجاب، فابتسم بسخرية ثم لف ذراعيه حول خصرها يضمها الى جسده قليلا و سألها و مازال عينيه تتأمل بشغف ما يظهر من قميصها:
ـــ و قالتلك هعمل ايه تاني؟!
انسحبت بغتة من أمامه تاركة يديه معلقة في الهواء ثم اتجهت نحو خزانة ملابسها استخرجت منها قطعة قماش ناصعة البياض ثم عادت له تمد يدها اليه بتلك القماشة و هي تقول بعفوية كعادتها:
ـــ جالتلي ألافيك الجماشة دي لاچل ماتشوفها في الصباحية و ابويا قمان عيشوفها لأچل ما يطمن عليا.
تجمد جسد حمد و كأنها سكبت على رأسه دلوا من الجليد، هل مازالت أمور الجهل هذه يهتمون بها؟!
أثارت تلك الجملة غضبه البالغ و أخرجته من الحالة الرومانسية التي قد دخل بها، فالتقط منها قطعة القماش ثم ألقاها بعنف في سلة المهملات و هو يصيح بغضب بالغ:
ـــ طاب و الله ما أنا عامل حاجة و ابقي وريني أمك هتعمل ايه؟!
انكمشت صافية على نفسها خوفا من غضبه التي لم تستطع فهم سببه، فعاد ينظر اليها بشر و هو يقبض على رسغها بقسوة و يصيح بانفعال بالغ:
ـــ انتي عارفة لو اسمعك تقوليلي أمي جالتلي دي تاني هعمل فيكي ايه؟!… حسك عينك تحكيلها على أي حاجة بتحصل بينا انتي فاهمة؟!
ردت بخوف و هي تضع كفها أمام وجهها متخذة منه درعا واقيا:
ـــ كيف يعني؟!.. أني معملش حاچة واصل من غير مشورة أمي.. لازمن توعيني و تعلمني..
غلى الـ,ـدم في عروقه أكثر، فكل كلمة تتفوه بها تنم عن جهلها و غبائها ما يثير عصبيته و غضبه، فأخذ يصتك فكيه من الغضب و هو يصرخ بها:
ـــ قسما عظما ان نطقتي معاها بحرف لتكوني طالق يا صافية… انتي فاهمة الكلام اللي انا بقوله ولا اروح اجبلك امك تفهمك؟!
ردت بنبرة باكية:
ـــ مخبراش… مفهماش.
ترك رسغها و جذبها من شعرها لترتفع رأسها لأعلى لااراديا فصرخت بألم ليقول بوعيد:
ـــ لو عايزة ترجعي لأمك في يوم صباحيتك ابقي اعمليها و احكيلها احنا عملنا ايه في ليلة دخلتنا… دي هتبقى ليلة طين على دماغك.
ألقى بوعيده ثم دفعها بعيدا عنه لتسقط على الأرض و هي تبكي، فاسترسل زئيره الغاضب:
ـــ أنا هنا بس اللي تسمعي كلمتي… أنا اللي اقول تعملي ايه و متعمليش ايه…محدش غيري هيعلمك و يوعيكي.. أنا عايزك تمحي أمك دي من قاموس حياتك.. دا لو عايزة تعيشي زي مخاليق ربنا و تبقي بني ادمة… انتي فاهمة ولا أعيد تاني؟!
أخذت تهز رأسها بايجاب و هي تبكي منكسة الرأس و شعرها الطويل يححب عنه وجهها الباكي، فأشفق عليها حمد و شعر بالغضب من نفسه أن قسى عليها لتلك الدرجة، و لكن هي من استفزته لتنقلب ليلتها الأولى إلى نواح و بكاء.
ألقى عليها نظرة أخيرة مترددا أيحملها و يضعها على الفراش أم يتركها ولا يعيرها اهتماما؟!… و لكنه لم يطع قلبه الذي حثه على أخذها بين أحضانه و الاعتذار اليها، فلم يكن ذنبها أنها بريئة و نقية لتحولها أمها الى آلة تحركها كيفما شاءت، ثم ذهب من أمامها تاركا الغرفة صافعا بابها خلفه و اتجه الى غرفة أخرى ليقضي ما تبقى من ليلته بها.
وصل أدهم بشقيقته الى المنزل في ساعة متأخرة من الليل و بمجرد دخولهما اتجه مباشرة الى غرفة ندى، فاستوقفته ريم منادية عليه، فنظر لها باستفهام فقالت بجدية:
ـــ البس الكمامة قبل ما تدخل… و بلاش تنام جنبها.. معلش استحمل الاسبوعين دول كفاية علينا ندى… مش هتكون انت و هي عيانين و نايمين في السرير.
هز رأسه بموافقة و هو يزفر أنفاسه بضيق ثم دلف غرفته بدل ملابسه بسرعة و ارتدى كمامة ثم ذهب لغرفتها مرة أخرى..
دلف الغرفة ليجدها مستغرقة في النوم و لكنها تتنفس بسرعة نوعا ما كأنها تركض، الأمر الذي أقلقه للغاية..
جلس على حافة الفراش بجوارها ثم أخذ يزيح غرتها عن جبينها ليتحسس حرارتها فوجدها طبيعية الى حد ما…
ـــ ندى.. ندى..
همهمت بكلمات غير مفهومة ليبتسم و هو يقول:
ـــ عاملة ايه يا حبيبتي؟!
هزت رأسها و مازالت مغمضة العينين لترد بصوت ناعس:
ـــ الحمد لله.
ـــ طاب بتنهجي كدا ليه؟!
فتحت عينيها و هي مقطبة الجبين و أخذت تتأمله و كأنها تحاول تذكره الى أن انتبهت أخيراً، فابتعدت عنه لآخر الفراش و هي تقول:
ـــ يا أدهم حرام عليك هتتعدي مني..
زم شفتيه بغضب مصطنع:
ـــ هي دي حمد الله ع السلامة اللي بتقوليهالي؟!
تنهدت بضيق ثم قالت بجدية:
ـــ انا طبعاً مش قصدي كدا… بس انا خايفة عليك بجد…يعني ينفع احنا الاتنين نكون تعبانين؟!
جذبها عنوة حتى التصقت به غير مكترثا بكلامها ليقول بنبرة هائمة:
ـــ يا ريت أتعب انا كمان عشان أنام جنبك و مفضلش بعيد عنك كدا… يعني مش كفاية الاسبوعين اللي فاتو؟!.. عايزة تحرميني منك كمان اسبوعين؟!
كانت تستمع اليه و هي تنظر له مشدوهة الملامح… ماذا تعني كلماته تلك اذن؟!…هل تعتبر هذا تصريحا منه عن وقوعه بحبها؟!..
ابتلعت ريقها ثم قالت بنبرة مهزوزة من فرط الارتباك:
ـــ متقولش كدا.. و انا مش هفرح بنومتك جنبي و انت تعبان.
اغمض جفنيه يحاول السيطرة على مشاعره التي تطالبه بتقبيلها و لكنه جذبها الى حـ,ـضنه لعله يهدأ قليلا بينما ندى كانت تقاومه لألا تصيبه العدوى و لكنه أبى أن يتركها فاستسلمت بقلة حيلة حتى أنها أحست بنبضات قلبه التي كانت تضرب صدره كالمطرقة، و حين أحس بأن اشتياقه لها يزيد ابتعد عنها بغتة ثم قال و هو يبتسم نصف ابتسامة متنهدا بعمق:
ـــ كملي نومك بقى.. تصبحي على خير.
تركها بحالة هائمة سلبت النوم من عينيها و ذهب الى غرفته ثم أخذ حماما باردا و تقلب بفراش حتى نام بعد معاناة.
تمدد حمد بالفراش و هو يشعر بالذنب تجاهها، تقلب بالفراش لمدة طويلة و شيطانه على رأسه يلح عليه بعدم الذهاب اليها، و بعد عدة محاولات غفى أخيرا دون أن يشعر…
استيقظ من غفوته على صوت أذان الفجر فنهض يمسح وجهه من أثر النوم و هو يردد الأذان ثم حسم أمره ليتفقدها و يطمئن عليها بعدما نامت باكية..
فتح باب الغرفة ليجدها نائمة على الأرض بمكانها كما تركها، فأخذ يؤنب نفسه ثم تقدم منها لينحني يحملها بخفة ثم وضعها بمنتصف الفراش و جلس بجوارها..
أعاد خصلات شعرها التي التصقت بوجهها بسبب الـ,ـدموع ثم أخذ يمسد على شعرها بحنو و هو يتأملها بشغف، فلولا عفويتها الزائدة تلك لما انقلبت تلك الليلة لجحيم هكذا.
انحنى يقبل وجنتها و هو يتمتم بهمس:
ـــ أنا آسف.. حقك عليا.
تنهد بعمق ثم دثرها بغطاء خفيف و نهض خارجا من الغرفة متجها نحو المرحاض ليتوضأ و يصلي الفجر.
عند تمام التاسعة صباحا ارتدى معتصم بنطال چينز و قميص يعلوه چاكت و انتعل حذائه و التقط هاتفه و مفاتيح سيارته ثم صعد الى شقة حمد بالطابق الذي يعلوه و رن جرس الباب عدة مرات حتى فتح له شقيقه و تبدو آثار النوم على وجهه..
ـــ صباحية مباركة يا عريس…
احتضنه و هو يضحك:
ـــ حد يصحي عريس يوم صباحيته الساعة تسعة الصبح يا راجل.
ضحك معتصم ثم ابتعد عنه و هو يقول:
ـــ معلش بقى انا عارف اني رخم..
افسح له حمد لكي يدخل و لكنه رفض قائلا بجدية:
ـــ لا أنا مش داخل..
ـــ ادخل يابني هنتكلم ع الباب كدا؟!… و بعدين لابس و متشيك كدا رايح على فين؟!
ـــ هقولك..
ثم تحولت نبرته الى همس:
ــ بس قولي الاول عملت ايه؟!
رد حمد بعدم فهم:
ـــ عملت ايه في ايه؟!
ـــ انت هتصيع عليا يلا… عملت ايه في ليلة دخلتك ياد انت؟!
رد حمد بسماجة:
ـــ و انت مالك!!.. انا كنت سألتك عملت ايه في ليلة دخلتك؟!
حقا ندم معتصم أن سأله، لو كان يعلم أنه سيذكره بنرمين حتما ما سأله..
ـــ انت دايما كدا بتحب تفكرني بنرمين… عملي الأسود.
ضحك حمد بقهقهة ثم قال:
ـــ انت محستش انها عملك الاسود غير بعد ما عرفت ريم.
هز رأسه بموافقة:
ـــ فعلا يا حمد معاك حق… عمري ما حسيتها عبئ عليا غير بعد ما حبيت ريم…. المهم انا مسافر القاهرة دلوقتي عشان عايز اخلص من حوار نرمين دا في اسرع وقت قبل ما أدهم اخو ريم يسأل عليا.
رد حمد بجدية:
ـــ متقلقش انا مظبط الدنيا و مفهم افراد الأمن انهم ميجيبوش سيرة لأي مخلوق غريب عن جوازك منها و مفهم موظفين الاستقبال ان مدام نرمين بالنسبالنا مجرد شريكة مش أكتر و مأكد عليهم ميدوش أي معلومة لأي بني ادم برا الشركة… يعني لو لا قدر الله عرف عن جوازك حاجة هيكون من طريق بعيد عننا.
هز رأسه عدة مرات و هو يتنهد بقلق:
ـــ ربنا يستر و يعديها على خير.
ربت حمد على كتفه:
ـــ ربنا معاك يا حبيبي.
احتضنه بحب و هو يقول:
ـــ مكنتش عايز اسيبك كدا و انت عريس بس مضطر.
ابتعد عنه و هو يبتسم بود:
ـــ ولا يهمك يا صاحبي.
ـــ مش هوصيك على صافية… طول بالك عليها شوية لحد ما تتأقلم على طباعك.
هز رأسه بشبه ابتسامة دون أن يتحدث بشئ حتى لا يثير ريبة أخيه ثم ودعه معتصم و انصرف نحو سيارته ليستقلها و ينطلق الى القاهرة.
في الطريق قام معتصم بالاتصال بنرمين يخبرها بعودته و طلب منها مقابلته في شقتهما، فتركت ما بيدها من أعمال بالشركة و أخبرت السكرتيرة بتأجيل كافة المواعيد مع العملاء ثم استقلت سيارتها و انطلقت نحو شقتها التي تعيش بها مع معتصم منذ أن تزوجا..
حين وصلت الى الشقة قامت بترتيبها سريعا ثم طلبت غداء فاخر من أحد المطاعم الفاخرة ثم اعتكفت بغرفتها لتشرع في تنظيف بشرتها باستخدام الماسكات و ما الى ذلك ثم قامت بتصفيف شعرها و وضع مساحيق التجميل و الزينة و ارتدت قميص من اللون الأسود شبه عاري تقريبا مظهرا مدى بياض بشرتها.
و حين انتهت ألقت نظرة أخيرة على مظهرها الذي يخطف الأنفاس أمام المرآة ثم أخذت تنظر لنفسها بتباهي و افتخار..
قاربت الساعة على الثانية بعد الظهر و كان الطعام قد وصل نرمين و قامت بتجهيزه على سفرة الطعام و قامت بسكب العصائر الباردة فجعلتها مميزة حقا..
كانت كل حين و آخر تنظر في ساعتها تنتظره على أحر من الجمر، فقد اشتاقت اليه كثيراً..
بعد نصف ساعة انفتح الباب ليطل عليها معتصم، فحين سمعت صوت الباب ركضت اليه و هي تبتسم بسعادة بالغة ثم ألقت بجسدها على جسده تحتضنه باشتياق بالغ متمتمة بهيام:
ــ وحشتني أوي يا معتصم… حاسة اني بقالي سنة مشوفتكش..
بادلها العناق على استحياء ثم أبعدها قليلا عنه و هو يقول بتجهم:
ـــ نرمين أنا تعبان و عايز أغير هدومي دي قبل أي حاجة.
نظرت له بصدمة لوهلة لكن سرعان ما ابتسمت و هي تأخذ بيده نحو غرفة النوم و هي تقول:
ـــ أنا اسفة يا حبيبي من كتر ما انت واحشني مقدرتش استنى.
دلفا الغرفة سويا ثم قامت بمساعدته في خلع الچاكيت ثم وقفت في مواجهته تفك أزرار قميصه واحدا تلو الآخر حتى بدا لها صدره العضلي العريض فأخذت تبتلع ريقها و هي تتحسس بشرة صدره، فتنهد معتصم بضيق…. هو لا يريد ما تريده هي الآن…
قبض على كفيها يقيد حركتهما لينزلهما الى جانبيها ثم قال ببرود:
ـــ أنا هغير لوحدي..
نظرت له و هي تصتك فكيها من الغيظ و لكنها تجاوزت ذلك و جلست بحافة الفراش تراقبه و هو يبدل ملابسه حتى انتهى..
انتبه لتوه الى ذلك القميص الفاضح التي ترتديه و الى زينتها و قصة شعرها فابتسم بسخرية من تلك المرحلة التي وصل اليها… فقد كان سابقا يشعر بالزهو حين تتزين له و تهتم به، انما الآن لا يعنيه كل ما تفعله من أجله و لو افترشت له الأرض حريرا..
ارتدى لتوه بنطال قطني رصاصي و تيشيرت أبيض ضيق أظهر عضلات جزعه العلوي و كانت نرمين تتأمله بحب و انبهار.
نهضت لتقف خلفه و هو يمشط شعره أمام المرآة ثم احتضنته من الخلف و هي تتنفس رائحة شعره فقد كان طولها يصل لطوله تقريباً..
ـــ ايه يا عصوم.. مالك؟!.. متغير عن كل مرة ليه؟!.. مش دا عصوم اللي انا عارفاه.
كان يستمع اليها و هو ينظر لوجهها عبر المرآة و ملامحه متجهمة بضيق، ففك عقدة يديها من حول خصره ثم استدار لها و هو يقول بنفاذ صبر:
ـــ عايزة ايه يا نرمين؟!
ردت بنبرة هائمة و هي تكاد تلتهمة بعينيها:
ـــ عايزاك يا حبيبي…
أخذ يتنفس بعنف و هو بين نارين… يريد انهاء ارتباطه بها و في ذات الوقت يريد تلبية رغبتها به لآخر مرة قبل أن ينفصل عنها لعله يتخلص من شعوره بالذنب تجاهها، فليس ذنبها أن أحب غيرها كما أنها لم تقصر معه كزوجة قط.
حسم أمره بتلبية رغبتها و لتكن المرة الأخيرة ثم يتحدث معها في أمر الانفصال بعد ذلك، فقبض على خصرها يضمها إليه ثم انقض عليها يقـ,ـبلها فتعلقت بعنقه و سحبته الى الفراش لترتمي عليه و هو فوقها حتى اندمجا سويا لوقت لم يشعر خلاله سوى بشعور الخيانة لحبيبته و كأنه يفعل جُرما مُحرما.
في تلك الأثناء تماما دلف آسر غرفة مكتب أدهم بمبنى العمليات الخاصة و بيده ملف ثم جلس قبالته فتحدث بفخر واضعا الملف أمامه على المكتب:
ـــ اتفضل يا باشا جبتلك كل اللي طلبته و في وقت قياسي… رغم ان العيال بتوع شركته متوصيين ميطلعوش معلومة براها بس الرجالة ظبطوهم.
تتطلع للملف ثم أعطاه لصديقه مرة أخرى:
ـــ خود اقرالي اللي فيه و هات الخلاصة… ماليش خلق للقراية.
فتح آسر الملف ثم وضع ساقا فوق الأخرى و هو يقول:
ـــ انا أصلا قريته كله قبل ما اجيبهولك… اسمع يا سيدي… معتصم حمدان البدري ٣٢ سنة خريج كلية اقتصاد و علوم سياسية.. الأخ الأكبر عنده أخت اصغر منه متجوزة و مقيمة في القاهرة مع جوزها.. جوزها اسمه هشام و عضو في مجلس ادارة الشركة اللي صاحبها و مديرها معتصم….معتصم البدري متجوز من…
انتفض أدهم من مكانه حين سمع تلك الكلمة ليصيح بزمجرة:
ـــ متـ ايه ياخويا؟!
نظر له آسر بدهشة قائلا:
ـــ متجوز يا أدهم ايه الغريب في كدا؟!
ثم ضيق جفنيه بشك يسأله:
ـــ انت تعرفه منين و بتسأل عليه ليه؟!
عاد أدهم ليجلس بمكانه و قد زادت وتيرة تنفسه من فرط الغضب ثم حث آسر على اكمال ما بدأه:
ـــ كمل يا آسر و بعدين هعرفك كل حاجة..
استرسل آسر بنبرة هادئة:
ـــ متجوز من واحدة اسمها نرمين الانصاري بنت رجل أعمال و صاحب مجموعة شركات الانصاري للمعمار و أرملة رجل الأعمال المعروف عادل الزهار الله يرحمه بقى.
هز ادهم رأسه بعصبية و هو يقول بغضب مكتوم:
ـــ و متجوز أرملة كمان؟!
رد آسر و هو يضحك:
ـــ أومال لما تعرف التقيلة بقى..
انتبهت كامل حواسه ليقول آسر:
ـــ نرمين أكبر من معتصم بعشر سنين… يعني عندها ٤٢ سنة حاليا و معتصم متجوزها من حوالي خمس سنين… يعني تقريباً كان لسة عنده ٢٧ سنة بس لما اتجوزها.
رد أدهم و هو يحاول السيطرة على أعصابه:
ـــ طاب معرفتش ايه اللي لم االشامي ع المغربي؟!
ـــ عيب عليك يا باشا… عرفت طبعاً..
رد بانفعال:
ـــ ماتقول علطول يا آسر أعصابي مش مستحملة..
رمقه باستنكار ثم استرسل بجدية:
ـــ اللي عرفته بس مش متأكد اذا كان الكلام دا صحيح ولا لأ ان نرمين اتعرفت عليه في مـ,ـؤتمر لرجال الاعمال و كان ساعتها لسة بيبتدي مشواره في البيزنس، اتكلمت معاه عجبها عرضت عليه الجواز مقابل انها تموله شركته و تكبرهاله…
هز ادهم رأسه بتفهم و هو يقول:
ـــ و طبعاً البيه وافق يتجوز ست اكبر منه بعشر سنين عشان يكبر على قفاها…
قاطعه آسر:
ـــ خاصة كمان انها عقيم و مبتخلفش..
ـــ يعني جوازة مش هتكلفه حاجة… فلوس و مفيش لا مسؤلية ولا عيال ولا وجع دماغ و طبعاً شايف مزاجه معاها و هو مش قلقان من حاجة..
رد آسر بسخرية:
ـــ و الله يا جوازة زي دي يا بلاش…بس البت فورتيكة يا أدهم لو شوفتها مش هتصدق انها معدية الاربعين… هضبة…
ـــ و انت شوفتها فين يلا؟!
ـــ المخبر صورهالي و هي داخلة الشركة و بعتلي الصورة ع الواتس..
ـــ مش عارف ليه شامم ريحة شُبهة في الجوازة دي!..
ـــ قصدك ايه؟!
ـــ يعني ست أرملة و مبتخلفش تلف على حتة عيل شكله حلو و جسمه رياضي و بتاع..ط لا و كمان تدفعله.. عشان ايه؟!
ـــ عشان مزاجها طبعاً..
ـــ يعني من الآخر كدا جواز متعة… و اللي يزهق من التاني يسيبه.
أومأ آسر بتأييد:
ـــ طبعاً و سيادته مسيره هيزهق و يدور على غيرها.. على الأقل عشان يستقر و يعمل أسرة و أولاد…
أخذ أدهم يصتك فكيه و يشدد من قبضة يده من شدة غضبه و غيظه، فاسترسل آسر و كأنه تذكر شيئا:
ـــ اه نسيت اقولك انه صعيدي اصله من سوهاج و مقضيها بين هنا و هناك….و والدته متعرفش بموضوع جوازه من الست دي.
رفع حاجبيه بتفاجؤ ليقول بانفعال:
ـــ كماان!… دا كدا الحساب تقل أوي.
قطب جبينه متسائلا باستغراب:
ـــ ايه حكايتك مع الواد دا يا أدهم؟!
نظر في اللاشئ بشرود لبرهة ثم عاد ينظر لصاحبه و هو يقول:
ـــ هقولك…………
تفاعل
الحلقة الثالثة والعشرون
خرج معتصم لتوه من المرحاض ليجد نرمين قد بدلت ملابسها الى بيچامة حريرية بحمالات رفيعة..
ارتدى ملابسه ثم أخذته من يده نحو طاولة الطعام و هي تقول بحماس:
ـــ يلا يا حبيبي نتغدى… الأكل لسة سخن و تحفة..
نزع يده من يدها برفق ثم قال بضيق:
ـــ انا ماليش نفس مش هقدر اكل.
اقتربت منه حتى التصقت به و أخذت تتحسس صدره و هي تقول بدلال:
ـــ عشان خاطري يا عصومي تعالى نتغدى سوى… من زمان مأكلناش مع بعض.
زفر بضيق ثم اضطر لمجاراتها و جلس قبالتها على الطاولة و شرع في الطعام و أكل بعض لقيمات بسيطة و هو شاردا حتى أنه كان لا يدري ماذا يأكل و نهض سريعا و اتجه نحو غرفة الاستقبال ثم جلس بأحد الأرائك ينتظرها حتى تنتهي لينهي مسيرته معها.
بعد دقائق أتت اليه ثم جلست قبالته على حافة الطاولة الصغيرة القريبة من أريكته حتى يكون وجهها قريبا من وجهه ثم مدت يدها اليمنى تتحسس لحيته النامية الناعمة و هي تقول برقة:
ـــ مالك يا حياتي؟!… مزاجك مش حلو ليه؟!
نظر لها يتأملها قليلا بشرود و هو يفكر ثم تحدث بنبرة جادة و هو يزيح يديها من على لحيته:
ـــ لحد هنا و كفاية بقى يا نرمين.. انتهينا
نظرت له مقطبة الجبين باستنكار، فاسترسل بجدية تامة:
ـــ أنا قررت أتجوز.
للحظة انتابتها صدمة قاتلة و لكن سرعان ما استعادت رشدها لتبتسم باصطناع ثم قالت:
ـــ و ماله يا حبيبي… اتجوز.. و انا زي ما اتفقنا قبل كدا مش هتدخل في حياتك مع مراتك التانية ولا هأثر عليها.
رد عليها ببرود:
ـــ دا كان على أساس اني هتجوز في البلد و هسيبها في الدوار مع أمي… انما البنت اللي عايز اتجوزها من هنا من القاهرة و مش هتقبل انها تكون زوجة تانية.
تحولت ملامحها للوجوم ثم قالت بتجهم:
ـــ بس دا مكانش اتفاقنا..
رفع كتفيه لأعلى و هو يقول:
ـــ أنا فعلاً مكانش في نيتي ابدا اني أخلف اتفاقي معاكي… و كنت باقي عليكي لآخر لحظة في عمري.. لكن..
ردت تسأله بنبرة أليمة:
ـــ لكن ايه؟!… متقوليش انك حبيتها..
هز رأسه بموافقة، فضحكت نرمين بسخرية بملئ فمها ثم تحولت ملامحها للوجوم فجأة و هي تسأله بتهكم:
ـــ هو انت بتحب زي الناس عادي كدا؟!… طاب يا ترى شوفتها فين و حبيتها امتى؟!.. شكلها ايه دي اللي قدرت توقع معتصم البدري؟.. أحلى مني مثلا؟!
أخذ يطالعها بنفاذ صبر ثم رد ببرود:
ـــ لو على الحلاوة انتي أحلى… لكن القلب بقى و ما يريد.
سكتت تتنفس بوتيرة سريعة و هي غير قادرة على ابداء أية ردة فعل… هي لا تريد خسارته، فحتما حبه لأخرى مجرد نزوة و ستمر أو هكذا تظن..
بركت على ركبتيها و استندت بذراعيها على فخذيه ثم تحدثت و هي تتوسل إليه:
ـــ معتصم انا… انا مقدرش اعيش من غيرك.. انت كل حاجة ليا… انت الحاجة الحلوة اللي في حياتي.. حِب و اتجوز بس متسبنيش… انا هضيع من غيرك يا معتصم.
رد برجاء و هو ينظر لعينيها:
ـــ لو بتحبيني بجد متقفيش في طريق سعادتي… و سيبيني أعيش اللي معرفتش أعيشه معاكي.
ردت بانفعال طفيف:
ـــ ايه اللي انت معرفتش تعيشه معايا… انا اديتك كل حاجة.. كنت بفهمك من نظرة عينيك..كنت محتارة اسعدك ازاي.. معصتش ليك أمر.. ايه اللي كان ناقصك معايا يا معتصم؟!
هب من مكانه يرد عليها بانفعال أشد:
ـــ ناقصني استقرار…ناقصني حب… ناقصني بيت و اولاد.. ناقصني حياة كاملة مشوفتهاش معاكي يا نرمين.
أغمضت عينيها بألم من سهام كلماته القاتلة، ثم ابتلعت ريقها بصعوبة محاولة السيطرة على موجة غضبها و نهضت لتقف أمامه و تقول بانكسار:
ـــ معرفش مين فينا اللي أناني.. بس اللي انا عارفاه و متأكدة منه اني بحبك بجنون و مهما تعمل حبك جوايا مش هيقل.
رد بنبرة معذبة:
ـــ احنا الاتنين أنانيين…كل واحد فينا عايز يرضي قلبه و بس مهما كانت الطريقة حتى لو هيدوس على التاني…بس صعب عليا اكسر قلبي و قلب الانسانة اللي حبيتها عشان مكسرش قلبك يا نرمين…يا ريت تقدري تفهميني.. يا ريت.
عم عليهما صمتا بليغا.. نرمين تنظر لمعتصم بلوم و عتاب و معتصم يناظرها ببرود و كأنها تذكره بخطيئته التي ربما تحول بينه و بين حبيبته الى أن نطق أخيراً و قال بثبات:
ـــ انتي طالق يا نرمين.
بدأت الـ,ـدموع تغشي عينيها و هي تنظر له و تهز رأسها بعدم تصديق، فاسترسل بمزيد من البرود:
ـــ لو عايزة تنهي الشراكة اللي بينا و كل واحد ياخد نصـ…
قاطعته بوضع سبابتها على شفتيه ثم قالت ببكاء:
ـــ متكملش…انت كمان عايزنا ننهي الحاجة الوحيدة اللي هتربطني بيك!!.. لا.. مقدرش.. كفاية اني هشوفك حتى لو مش هتكون من حقي.. كفاية اني هسمع صوتك هشم ريحتك هشوف ملامحك اللي بتوحشني حتى و انت معايا…و حياة العشرة اللي بينا خليني جنبك حتى لو هنكون مجرد شركا.
تأثر كثيراً من تلك الحالة الموجعة التي أصابتها حتى أنه شعر بمدى أنانيته معها، فهو قد جرب الحب و يدري جيدا كم هو موجع فراق المرء لمن يحب… و لكنه أيضاً ليس بامكانه التضحية بمن عشقها من أجلها.
مسد على شعرها و هو يقول باشفاق:
ـــ خلاص يا نرمين اهدي… خلاص شراكتنا هتستمر بس مش عايز أي تجاوز منك… عايزك تعامليني كأني شخص غريب عنك.
ارتمت بحـ,ـضنه و أجهشت في بكاء مرير و هي تضرب ظهره بكفيها و تهذي بلاوعي:
ـــ ازاي.. ازاي.. ازاي..
أخذ نفسا عميقا محاولا لملمة شتات نفسه ثم زفره ببطئ و هو يبعدها عن حـ,ـضنه و يقول برجاء:
ـــ لو بتحبيني و عايزاني مقطعش علاقتي بيكي اسمعي كلامي..
ثم أخذ يهزها من ذراعيها و هو يصيح بعصبية و غضب:
ـــ متخلنيش أتخنق منك يا نرمين…قولتلك خلاص انتهينا.
أطبقت جفنيها محاولة السيطرة على سيلان دموعها ثم فتحتهما لتقول و هي تهز رأسها عدة مرات:
ـــ حاضر… هسمع كلامك و مش هضايقك..
أشاح بوجهه للجهة الأخرى و هو يزفر بضيق من نفسه و من الموقف برمته ثم عاد ينظر اليها ليقول بنبرة جادة:
ـــ انا هسيبلك الشقة دي تعيشي فيها و انا هقعد مع عيشة لحد ما اشوفلي شقة تانية.
أخذت تمسح عبراتها بيديها ثم قالت بنبرة متحشرجة من أثر البكاء:
ـــ لا انا هرجع الفيلا بتاعتي… بكرة الصبح هلم هدومي و حاجتي و هروح على هناك.
أومأ بوجوم و هو يقول:
ـــ تمام اللي يريحك.. أنا لازم أروح الشركة دلوقتي…. و انتي اقعدي مع نفسك و راجعي حساباتك و بلاش تيجي الشركة النهاردة..
هزت رأسها بموافقة دون أن تتحدث، فلم يعد لديها طاقة للكلام بعد تلك الصفعة القاسية التي تلقتها منه على حين غرة.
تركها بمكانها و دلف غرفة النوم ليرتدي بدلة رسمية سوداء بدون رابطة عنق ثم أخذ هاتفه و مفاتيح سيارته و غادر الشقة متجها الى شركته.
بعد حوالي ربع ساعة وصل شركته و أخذ يتفقد ملفاته و جدول أعماله مواصلا العمل مع زوج شقيقته بلا انقطاع الى أن بدأت الشمس في المغيب و حينها رن هاتفه برقم أدهم، دق قلبه بقلق ربما.. و لكنه لا يدري لما انتابته تلك الحالة حين رأى اسمه على شاشة الهاتف و لكنه أجابه على أية حال:
ـــ ألو أدهم باشا عامل ايه؟!
ـــ بخير يا معتصم بيه… أنا كنت عايز أقابلك بس يا ريت نكون لوحدنا على انفراد.
سكت معتصم مليا يفكر ثم قال:
ـــ تمام يا باشا… ايه رأيك تشرفني في شركتي… هنكون براحتنا أكتر.
استحسن أدهم الفكرة ثم أومأ بموافقة:
ـــ تمام مفيش مشكلة… فاضي أجيلك دلوقتي؟!
ـــ و لو مش فاضي أفضالك.
ابتسم أدهم بسخرية متوعدا له في نفسه ثم قال:
ـــ طاب يا ريت تبعتلي location بتاعك و انا نص ساعة بالكتير ان شاء الله و هكون عندك..
ـــ تمام يا باشا في انتظارك.. مع السلامة..
اغلق معتصم المكالمة ثم أرسل له موقعه عبر رسالة نصية ثم عاد يستكمل أعماله بذهن شارد بعدما أعطى اوامره للسكرتيرة بحسن استقبال الضيف القادم في خلال نصف ساعة.
بعد حوالي خمسة و ثلاثين دقيقة حضر أدهم و قد استقبلته السكرتيرة بحفاوة ثم أدخلته الى معتصم الذي استقـ,ـبله استقبالا حارا و أجلسه في الصالون ذي الأرائك الجلدية الفاخرة و طلب له القهوة.
جلس أدهم و هو يدور بعينيه في انحاء الغرفة ثم قال بنبرة جليدية:
ـــ ما شاء الله المكان فخم أوي يا معتصم… اسمحلي اقولك معتصم من غير القاب؟!
ـــ أه طبعاً يا أدهم باشا احنا اخوات.
هز رأسه عدة مرات ثم تحدث بنبرة ذات مغذى:
ـــ بجد انا مبهور من شاب زيك لسة في مقتبل العمر و قدر يأسس شركة فخمة زي دي بدون مساعدة حد.
أحس معتصم بعدم الارتياح من نبرته التي يتحدث بها، و لكنه تجاوز ذلك قائلا:
ـــ انا بايع كتير من ورثي من ابويا الله يرحمه في تأسيسها.
تجاوز أدهم رده و كأنه لم يسمعه ثم استرسل بنبرة مبطنة بالسخرية:
ـــ بس انت فعلاً عاجبني… جريئ.. جريئ أوي..
بدأت نبرته تحتد و هو يقول:
ـــ جريئ لدرجة انك تتقدم لأختي و انت متجوز غيرها و بتخدعنا كلنا.
سكت معتصم بصدمة و أحس أن الأرض تهيم به، فقد انسحب البساط من تحت قدميه دون أن يشعر، و لكنه حاول التحلي بالثبات ثم قال:
ـــ انا طلقتها… و بعدين مكنتش ناوي أخبي عليكم.. كنت هقول في الوقت المناسب.
لوى أدهم فمه بسخرية:
ـــ كنت هتقول امتى و انت المفروض مستني مني الموافقة.. انت انسان كداب.
ابتلع ريقه ثم تحدث بثبات:
ـــ الموضوع دا يخصني انا و ريم…كنت هقولها و هفهمها انا اتجوزت ليه و ازاي..
ـــ لا متتعبش نفسك… انا هفهمها انت اتجوزت ليه و ازاي..جوازة رخيصة زيك بالظبط عشان متعتك و مزاجك.
أخذ يهز رأسه بنفي و هو يتحدث بانفعال نوعا ما:
ـــ لا يا أدهم باشا مش انا…يعلم ربنا ان الست اللي اتجوزتها دي مكنش في نيتي أبداً اني أطلقها… بس الظروف فاجئتني و حبي لريم لغبطلي كل حاجة… حبيتها و عايزها معايا علطول.. ايه يا أخي الحب معداش عليك؟!
رد أدهم بانفعال أشد:
ـــ الحب اني اصارح اللي حبيتها بكل حاجة من اول لحظة.. مش أعلقها بيا و بعدين أقولها اسف انا كنت هقولك..
أخذ معتصم يتنفس بوتيرة عالية غير قادرا على تعزيز موقفه أمام أدهم، فاسترسل أدهم بنبرة جليدية باردة:
ـــ بس الحمد لله ان ربنا كشفك ليا في الوقت المناسب… مكنتش اتوقع انك دنئ و حقير كدا.
وقف معتصم بعصبية يجذبه من تلابيبه و يصيح بغضب:
ـــ أنا مش حقير.. انت فاهم؟!
ناظره أدهم ببرود ثم نزع يديه الممسكة بياقته و هو يقول ببرود:
ـــ ايه؟!.. وجعتك؟!.. معلش.. اصل دايما الحقيقة كدا بتوجع..
أخذ معتصم يطالعه بشر يود لو يلكمه في وجهه لعله يسترد بعضا من كرامته التي بعثرها له و لكنه تراجع فقط لأجلها، فاسترسل أدهم و هو ينوي انهاء ذلك الحوار السخيف:
ـــ اسمع يلا… ريم دي أغلى حاجة في حياتي و بحبها أكتر من نفسي.. معنديش استعداد أجوزها لواحد second hand.. و اياك…. اياك تحاول تقرب منها او تكلمها… ساعتها همحيك من على وش الدنيا.. كفاية الصدمة اللي هتحصلها لما تعرف حقيقتك.
ألقى بكلماته ثم استدار مغادرا من أمامه و عروق رقبته منتفخة من فرط الغضب، فخرج من الغرفة و هو يسير بسرعة حتى أنه اصطدم بنرمين و لم يلتفت اليها حتى ليعتذر، فصرخت به بعدما تخطاها:
ـــ ايه قلة الذوق دي؟!
لم يكترث لها و انما استمر في طريقه الى ان سمع صوت السكرتيرة ترحب بها قائلة: “أهلا يا مدام نيرمين”.
قاده فضوله لمعرفة شكلها فوقف بغتة و استدار يطالعها بنظرة شمولية، فقد كانت طويلة القامة ذات قوام أنثوي لا يقاوم، ترتدي بنطال اسود جلدي يلتصق بساقيها تعلوها كنزة قصيرة للغاية بنصف كم بالكاد تغطي بطنها و شعرها الأشقر المموج منسدلا على ظهرها علاوة على مستحضرات التجميل الصارخة التي صبغت بها وجهها، فأخذ ينظر اليها باشمئزاز و هو يتمتم بصوت خافت:
ـــ ” ليه حق يريل عليها ” ثم بصق على الأرض من شدة اشمئزازه منهما و استكمل طريقه مغادرا الشركة بأكملها.
بينما معتصم اخذ يدور بالغرفة بعصبية و هو يجذب خصلات شعره من شدة انفلات اعصابه، ثم قام بالاتصال بهشام و بمجرد ان رد عليه صرخ به:
ـــ شوفلي شوية البهايم اللي في الشركة ازاي يطلعوا اسرارنا براها… ازاي دا يحصل؟!.. انا مش عايز أشوف وشهم تاني في الشركة.. اقسم بالله حسابهم هيكون عسير معايا..
اغلق المكالمة دون أن يستمع لرده، فقد كان في حالة لا تسمح له بجدال أي شخص حاليا، علت وتيرة تنفسه للغاية و هو يشعر بالضياع… لا يدري كيف سيصلح تلك المعضلة و كيف سيكون موقف ريم ان أخبرها أخوها بما علم..
فقام بالاتصال بها ليكون هو أول من يخبرها قبل أن تعلم من غيره حتى يتمكن من شرح مبرراته و أسبابه ربما تلتمس له العذر و تتجاوز عن ذلك الذنب الذي اقترفه في حق نفسه و حقها..
ـــ ألو.. ريم أنا عايز أقابلك دلوقتي.
ـــ دلوقتي؟!.. ليه في ايه قلقتني..
ـــ هقولك بس لما أقابلك… مش هينفع اقول اي حاجة في التليفون.
سكتت قليلا تفكر بحيرة و لكنها أحست من نبرة صوته أن الأمر جلل، فحثها معتصم قائلا برجاء:
ـــ عشان خاطري يا ريم لازم اشوفك دلوقتي…متقلقيش مش هأخرك..
تنهدت بقلة حيلة ثم قالت:
ـــ حاضر يا معتصم… اقابلك فين؟!
ـــ قبل اي حاجه متقوليش لأدهم انك هتقابليني لأنه أكيد هيرفض و هيمنعك… أنا آسف اني هحطك في الموقف دا بس صدقيني غصب عني.. مضطر.
ـــ ماشي يا معتصم… بس يكون في علمك مش هقابلك تاني ابدا بدون علم أدهم..
ـــ ماشي يا حبيبتي… ابعتيلي بس اللوكيشن بتاعك و انا هستناكي في العربية برا الكومباوند.. عربيتي چيب سودا.
ـــ تمام هلبس و هرن عليك.. باي.
أغلقت الهاتف و هي في حالة من القلق من مقابلة معتصم من ناحية و من خروجها بدون علم شقيقها من ناحية أخرى.
بينما معتصم التقط مفاتيح سيارته ثم خرج مسرعا من غرفة مكتبه ليصطدم هو الآخر بنرمين حيث كانت في طريقها لغرفته و لكنه تجاوزها دون أن ينبس ببنت شفه مستكملا طريقه خارج الشركة الى حيث يصف سيارته.
اخذت نرمين تضرب الأرض بقدميها بغيظ منه، فخرجت هي الأخرى لتستقل سيارتها ثم أخذت تسير في الطرقات بلا وجهة محددة تحاول التفكير بهدوء أعصاب ربما تجد حلا تستعيد به معتصم الى أن اهتدت الى الاتصال بشقيقها المقيم بالامارات العربية المتحدة ربما يستطيع مساعدتها.
اتصلت به و بمجرد أن أجابها أخذت تبكي و تتحدث بانهيار:
ـــ الو… الحقني يا نادر معتصم طلقني.
ـــ ايه؟!… طاب اهدي يا حبيبتي بس و فهميني.. ايه اللي حصل؟!
ـــ اتعرف على بنت و حبها و عايز يتجوزها… طلقني عشان يتجوزها يا نادر..
أخذ يعتصر كفيه بغضب ثم قال بهدوء مصطنع:
ـــ طاب سيبيني شوية كدا يا نرمين أفكر في حل… لازم يبعد عن البنت دي عشان يرجعلك تاني.. يا إما لو عايز يتجوزها يسيبك على ذمته.
ـــ قولتله يتجوزها و يخليني معاه بس رفض… قالي انها مش هتقبل تكون زوجة تانية.
ـــ خلاص يبقى هو اللي جابه لنفسه و يستحمل بقى اللي هعمله فيه..
ـــ لأ… لأ يا نادر اوعى تأذيه.. أنا بحبه و عايزاه يرجعلي بأي طريقة و بأي تمن.
ـــ متخافيش يا قلبي مش هأذيه… و هرجعهولك يا نيرو… و غلاوتك عندي هيرجعلك و هيندم على اليوم اللي فكر يسيبك فيه و من غير ما أذيه متقلقيش..
تنهدت بارتياح قليلا ثم قالت بامتنان:
ـــ ربنا يخليك ليا يا نادر… مش عارفه لو انت مش موجود في حياتي كنت عملت ايه..
ـــ حبيبتي انتي اختي و حتة مني و ان موقفتش جنبك مين يعني اللي هيقف جنبك في مشكلة زي دي… مش عايزك تفكري و سيبي الموضوع دا عليا… هحسب حسبتي كدا و هكلمك تاني عشان افهمك هتعملي ايه بالظبط.
ـــ حاضر يا حبيبي… هستنى مكالمتك بفارغ الصبر.. بـ,ـوسـ,ـلي هايدي و سلملي عليها..
ـــ حاضر يا قلبي… مع السلامة
بعد حوالي ربع ساعة انتهت من تجهيز حالها ثم التقطت هاتفها وضعته في جيب بنطالها ثم خرجت من غرفتها تتفقد أمها فوجدتها نائمة بغرفتها و أيضاً ندى كانت نائمة، فاتجهت نحو باب الشقة تفتحه في نفس اللحظة التي كان يفتح فيها أدهم الباب لتتفاجئ بمثوله أمامها، فتحدث و الغضب يكسو ملامحه:
ـــ رايحة فين؟!
سكتت تنظر له و هي تبتلع ريقها بخوف ثم لم تجد بدا من البوح بالحقيقة حيث قالت بتوتر:
ـــ مـ معتصم كلمني عايز يقابلني دلوقتي في موضوع ضروري و أناااا…
قاطعها و هو يجذبها من رسغها الى داخل الشقة يجرها خلفه بعدما أغلق الباب حتى دلف غرفتها ثم تركها ليقول بحدة:
ـــ أنا هقولك هو كان عايزك ليه؟!
تطلعت اليه باستغراب و خوف في ذات الوقت في انتظار ما سيقوله ليتحدث أدهم بانفعال:
ـــ الباشا طلع متجوز و مخبي علينا… و سيادته طبعاً عايز يقابلك عشان يعترفلك بنفسه قبل ما تعرفي مني..
اتسعت عينيها بصدمة بالغة و هي تهز رأسها بعدم تصديق:
ـــ متجوز!!… ازاي… لأ… معتصم ميعملش كدا… كان هيقولي.. لا أكيد انت فهمت غلط يا أدهم… في حاجة غلط.
هزها من كتفيها و هو يصرخ:
ـــ هي دي الحقيقة… متجوز من خمس سنين ست أرملة و أكبر منه بعشر سنين..
ازدادت وتيرة تنفسها للغاية و أخذ صدرها يعلو و يهبط من فرط الصدمة، فاسترسل أدهم بمزيد من الحدة:
ـــ الواطي الحقير متجوزها جواز متعة و لما حب غيرها رماها و طلقها و كل دا و احنا نايمين على ودانا و بيخدعنا.
انتبهت حواسها لهاتين الكلمتين “جواز متعة” فسألته:
ـــ يعني ايه جواز متعة؟!
سكت أدهم لا يدري كيف يشرح لها معناها الى أن قال:
ـــ يعني متجوزها بغرض اشباع رغباته مش بغرض الاستقرار و تكوين بيت و أسرة… و دا في حد ذاته فيه شبهة شرعية دا ان مكانش جواز باطل من الأساس.
اتسعت عينيها بصدمة أخرى لتشعر بمدى دنائته و انحطاطه و انتابها شعور آخر بالاشمئزاز منه و من نفسها أن انساقت خلف أكاذيبه و وقعت في حب ذلك الحقير.
في تلك اللحظة رن هاتفها في جيبها، فقال أدهم:
ـــ هو اللي بيرن؟!
اخرجت الهاتف من جيبها تتفقده فوجدته هو فهزت رأسها بايجاب، فرد أدهم بجدية:
ـــ ردي عليه انهي معاه كل حاجة…و فهميه ميحاولش يتصل بيكي تاني.
ألقى بأوامره ثم استدار مغادرا الغرفة، ففتحت المكالمة ليأتيها صوته الملهوف:
ـــ ريم انتي اتأخرتي كدا ليه؟!.. انا مستنيكي عند بوابة الكومباوند.
حاولت السيطرة على أنفاسها المتسارعة لتقول بغضب مكتوم:
ـــ خلاص مالوش لزوم… مفيش كلام يتقال بعد اللي عرفته.
علم من ردها أن أدهم قد سبقه و تحدث معها، فرد عليها بعصبية:
ـــ لا يا ريم انتي متعرفيش حاجة… لازم تسمعي مني.
ـــ مش عايزة أسمع حاجة من واحد واطي و كداب زيك..
ـــ ريم أدهم فاهم غلط…اه انا كنت متجوز و خبيت عليكي بس لازم تعرفي مني القصة كلها مش من اخوكي… الكلام اللي أدهم قالهولك عني مش صحيح.. هو حلل اللي عرفه عني بطريقته.. بس انا مش حقير زي ما فهمك… انتي لازم تسمعيني يا ريم.
صرخت به و هي تبكي:
ـــ خلااااص… مش عايزة أسمع اي حاجة… كفاية بقى.. كفاية.. ابعد عني و انسى انك عرفتني في يوم من الأيام…
أغلقت المكالمة قبل أن يرد ثم أغلقت الهاتف بالكلية ثم ارتمت على سريرها تدفن وجهها في وسادتها و هي تبكي بحرقة… تبكي حبا قد تملك منها حتى ظنت أن السعادة قد فتحت لها بابها لتعيش معه حالة من العشق كم حلمت بها و لكن صار الحلم هباءا بل تحول لكابـ,ـوس.
على الناحية الأخرى أخذ معتصم يضرب عجلة القيادة بقبضة يده مرات كثيرة يفرغ بها غضبه بعدما انقلبت مخططاته كلها ضده في لمح البصر.
يتبع….
الحلقة الرابعة والعشرون
قبل ما نبدأ في الأحداث الجديدة أحب أنوه ان التفاعل على الرواية قل جدا و دا طبعاً بيقلل وصولها للمتابعين
يعني بجد حرام ابقى عاملة فيها مجهود و كتير جدا بيستنوها و الحمد لله انا واثقة انها من الروايات المشوقة و مع ذلك مش لاقية تقدير متكافئ و لا تفاعل يستحق الاستمرار في النشر
فضلاً اتفاعلو و قولو رأيكم و ارفعوا الفصول بكومنتات كتير
بينما كان آسر جالسا بفراشه شاردا في ذكرياته مع حبيبته الراحلة يسترجعها من خلال صورهما المحفوظة بهاتفه بعدما جافى النوم عينيه، أتاه اتصال مكالمة فيديو من حماه السابق محمد.
للوهلة الأولى شعر بالخجل من نفسه لأن حماه من بادر بالاتصال به مع أنه من المفترض أن يبادر هو بالسؤال عليه و متابعة أخباره أثناء اغترابه بابنته المريضة، و لكنه لا يدري كيف فاته ذلك الأمر… و لكنه بالأخير اعتدل بجلسته ثم فتح المكالمة ليجيب:
ـــ ازيك يا عمو محمد أخبارك إيه؟
ـــ الحمد لله يابني بخير… يااه يا آسر مكانش العشم.
حمحم بحرج و هو يبتلع ريقه:
ـــ أنا عارف اني مقصر معاكم بس اعذرني انشغلت شوية في الشغل.
ـــ أنا بعاتبك لأني بعتبرك ابني اللي مخلفتهوش.. و مكنتش اتمنى ابدا انك تقطع علاقتك بينا بعد وفاة ميري.
ـــ ماتقولش كدا يا عمي… حضرتك في مقام والدي بالظبط و مودة كمان زي أختي… بالمناسبة هي عاملة ايه بعد العملية؟!
ـــ الحمد لله في تحسن كبير.. استردت وعيها الى حد ما.. بس طول اليوم نايمة و بتصحى دقايق بسيطة و بتنام تاني.
ـــ أكيد جسمها مجهد بعد كل اللي مرت بيه.. ربنا يتمم شفاها على خير.
ـــ يا رب يابني… كل ما بتصحى بتسألني عليك.. و بتسألني على ميري… مش عارف أقولها ايه؟!
أجهش محمد في البكاء ثم قال بنبرة باكية:
ـــ أنا محتاجك جنبي يا آسر… محتاج مساعدتك في ان مودة تتخطى أزمة مـ,ـوت اختها بدون ما تتأثر.. أنا بجد محتار و مش عارف اعمل ايه… خايف.. خايف اوي لتروح مني هي كمان…
أجهش مرة أخرى في البكاء، لينخلع قلب آسر لمظهره الأليم فأخذ يواسيه:
ـــ عمو محمد استهدى بالله…كل حاجة هتعدي باذن الله و هتبقى زي الفل.. انا على اتم استعداد اني أجيلك ألمانيا..
أخذ يمسح عبراته من وجنتيه و هو يقول:
ـــ لا يا آسر ان شاء الله هحاول أسرع اجراءات رجوعنا و كدا كدا هي لسة محتاجة رعاية في المستشفى و هتكمل في مستشفى الدكتور رؤف ان شاء الله.
ـــ تمام يا عمو… و انا ان شاء الله هكلمك كل يوم عشان أطمن عليكم.. و انا متأسف جداً على تقصيري الأيام اللي فاتت.
ـــ لا يا حبيبي ولا يهمك… انتي غالي عندي اوي يا آسر.. غلاوتك من غلاوة ميري الله يرحمها… كفاية انك من ريحتها و أكتر واحد كانت بتحبه.
اغرورقت عينا آسر بالعبرات من كلمات حماه المؤثرة ثم قال و هو بالكاد يتمالك نفسه:
ـــ سلملي على مودة لما تصحى.
ـــ هخليك تكلمها فيديو المرة الجاية ان شاء الله..
ـــ تمام يا عمو في الانتظار… في رعاية الله يا حبيبي..
أغلق المكالمة ثم استند بظهره الى الوسادة و هو يشعر بالضياع و الحزن الشديد… يا الله متى يأني لهذا الحزن أن يزول!!…
بقي أدهم في غرفته شاردا بحزن بعدما أخبر شقيقته بما عرفه عن معتصم …
كان يفكر بريم و كيف سينكسر قلبها بعدما تعلقت به و هامت به الأفكار من هنا لهناك حتى أنه مرت عليه أكثر من ساعة و لم يتذكر حتى أن يطمئن على ندى منذ مجيئه من الخارج.
بعد تفكير طويل استقر أن يتفقد ريم أولا ربما تسوء حالتها النفسية و هي لا ينقصها… فهي أساسا غير متزنة نفسيا منذ تلك الحـ,ـادثة الأليمة التي تعرضت لها في طفولتها و جعلت أعصابها تتلف من أقل شيئ.
بدل ملابسه لأخرى بيتية ثم خرج من غرفته و سار باتجاه غرفة ريم، ثم طرق الباب عدة مرات و لكنها لا ترد، الأمر الذي أقلقه للغاية، ففتح الباب فورا و دلف ليجدها متمددة على الأريكة الكبيرة بالغرفة و يبدو أنها شاردة للغاية حتى أنها لم تسمع طرقاته.
اقترب منها ثم برك أمامها على ركبتيه ثم أخذ يهزها من كتفها برفق:
ـــ ريم…. مالك يا حبيبتي؟!
نظرت له بملامح ذابلة و تبدو آثار البكاء عليها، فآلمه قلبه للغاية لأجلها فاسترسل بجدية و هو يمسد على شعرها بحنو:
ـــ صدقيني يا حبيبتي ميستاهلش دمعة واحدة من عيونك الحلوين دول.. ارميه ورا ضهرك يا ريم و كأنك معرفتهوش.
بدأت ملامحها تنكمش و كأنها توشك على البكاء ثم تحدثت بنبرة شبه باكية و هي تضع يدها على موضع قلبها:
ـــ قلبي بيوجعني أوي يا أدهم… مش قادرة أصدق ان… ان معتصم يبقى كدا…
أطبق جفنيه بغضب من مجرد ذكر اسمه… ثم سيطر على غضبه متسائلا بترقب:
ـــ انتي بتحبيه يا ريم؟!
اعتدلت لتجلس فنهض أدهم و جلس بجوارها فسكتت قليلا تفكر ثم رفعت كتفيها لأعلى و هي تقول بذات النبرة الباكية:
ـــ مش عارفه… يعني متكلمناش كتير… و كنت دايما بكلمه بحدود.. بس أكيد كنت معجبة بيه مش هكدب عليك… بس هل حبيته.. مش قادرة أقول اه و مش قادره اقول لأ..
استرسل يسألها بحنو:
ــــ طاب ايه اللي عجبك فيه؟!
سكتت مليا تتذكر بعض المواقف التي مرت بهما سويا ثم حانت منها نصف ابتسامة و هي تقول:
ـــ عجبني فيه شخصيته المختلفة… كان قوي و في نفس الوقت هادي و رزين… شديد و في نفس الوقت حنين و رقيق… كنت بشوفك فيه يا أدهم… يعني بشوف فيه السند اللي اعتمد عليه و اللي ممكن ارمي نفسي في النار و مخافش طالما هو معايا.. هو بالنسبالي كان نسخة تانية من أدهم حبيبي.
ـــ اممممم… و ايه تاني اللي عجبك فيه؟!
أطرقت رأسها بخجل ثم نظرت بعينيه و هي تقول بجدية:
ـــ انت عارف اني مش بحب أخبي عليك حاجة.. و بتكلم معاك كأني بتكلم مع نفسي..
هز رأسه عدة مرات و هو يحثها برفق:
ـــ اتكلمي يا ريم متتكسفيش مني.
ابتلعت ريقها بتوتر ثم قالت:
ـــ أنا أعجبت بشكله كمان…يعني هي مين أصلاً اللي ممكن تشوفه و متعجبش بيه… دا حتى مارتينا صحبتي الصيدلانية اللي عرفتك عليها في فرح حمد امبارح… فاكرها؟!
ـــ اه اه فاكرها..
ـــ رغم انها مسيحية بس هي كمان كانت كل يوم تقعد تقولي اشعار في شكله و جسمه و شعره و و… كانت بتقولي لو مكنتش مسيحية كنت اتجوزته.. ههه.. قولتلها يجوز تتجوزيه على فكرة… قالتلي هو يستاهل اني أضحي عشانه بكل حاجة بس مش لدرجة اني أضحي بعمري يا حبيبتي… دا أهلي يدبحوني قبل ما اعملها… هههه..
ضحك أدهم ضحكة بسيطة فاسترسلت ريم بجدية:
ـــ يعني ممكن اكون انجذبت لشكله الحلو شوية… او كتير ممكن.. كل حركة بشوفها منه كانت بتشدني ليه أكتر… طريقة كلامه… وقفته.. ابتسامته… ضحكته.. كل حاجة فيه حلوة… اه سبحان من صوره يا أدهم.
حانت منه نصف ابتسامة ليقول بسخرية:
ـــ انتي في لحظة كدا نسيتي اللي عمله و عمالة تتغزلي فيه و كأنك ما صدقتي اني أسألك عنه.
تنهدت بعمق ثم قالت:
ـــ أنا بس بفضفض معاك.. يمكن اهدى شوية و انسى الوجع اللي جوايا.
قبض على كفها المستقر بجوارها ثم قال بجدية تامة:
ـــ انتي عارفة يا ريم؟!… ساعات الجمال بيبقى لعنة على صاحبه..و فتنة للي حواليه.. يعني سيدنا يوسف عليه السلام جمال خلقته خلى زوجة العزيز تفتتن بيه و كانت سبب في دخوله السجن كام سنة لحد ما ربنا أذن بخروجه.. يعني لو مكانش جميل مكانش اتعرض للكرب دا.. و معتصم شكله هو اللي خلى واحدة زي الست اللي اتجوزها دي انها تعرض نفسها عليه مقابل انها تأسسله شركة ضخمة زي اللي بيديرها حاليا… يعني انا مش ببررله بس طبعا كان عرض لا يقاوم..
اتسعت عيني ريم بصدمة لتسأله باستنكار:
ـــ هي اللي طلبته للجواز؟!.. انت قصدك انها اشترته بفلوسها؟!.. يعني معتصم باع نفسه ليها!!.. معتصم!!
رفع كتفيه لأعلى و هو يقول:
ـــ مش بقولك الجمال احيانا بيبقى لعنة لصاحبه.
تنهد بعمق ثم استرسل بجدية و حنو في آن واحد:
ـــ عايزك تنسيه و تلتفتي لشغلك و مستقبلك… و صدقيني يا ريم لو كان ليكي نصيب فيه لو الناس كلها اجتمعت عشان ميكونش ليكي.. هيكون لو مهما حصل.. انتي مش صغيرة و فاهمة اللي بقوله كويس.
ردت بنبرة حزينة:
ـــ متقلقش يا أدهم…هو أصلا نزل من نظري بعد ما كان حاجة كبيرة اوي في عنيا… و اللي حصل دا درس اتعلمت منه ان الشكل مش كل حاجة… و ان الجمال جمال الروح.
مسد على شعرها و هو يبتسم لها بفخر و يقول:
ـــ و هي دي ريم بنتي اللي ربيتها و فخور انها اختي.
ابتسمت له ثم احتضنته بحب أخوي و هي تغتصب ابتسامة على شفتيها لعلها تخرج من حالة الاكتئاب التي أصابتها..
خرج من عندها و هو يشعر بالارتياح قليلا متمنيا في نفسه أن تتخطى تلك الأزمة بأقصى سرعة، ثم سار باتجاه حبيبته الثانية ليطرق باب غرفتها فسمعها تأذن له بالدخول، ففتح الباب ليجدها تجلس بمنتصف الفراش و تنظر له بعتاب، فدلف الغرفة مغلقا الباب خلفه ثم وقف أمامها يتأمل ملامحها الغاضبة و حركة صدرها السريعة ليقول من مكانه:
ـــ أنا عارف انك زعلانة مني عشان مسألتش عليكي النهاردة ولا شوفتك… بس لو عرفتي انا كنت مشغول قد ايه هتعذريني..
سار نحوها و لكنها استوقفته سريعا لينظر لها بعتاب، فأسرعت باستخراج كمامة مغلفة من أسفل الوسادة ثم أعطتها له و هي تقول:
ـــ عشان خاطري متقربش مني غير لما تلبس الكمامة الأول.
تنهد بنفاذ صبر ثم أخذها منها و ارتداها ثم سار نحوها حتى جلس بجوارها بالفراش و التقط كفيها يحتضنهما بين كفيه و ينظر لها بهيام:
ـــ عاملة ايه النهاردة؟!…في تحسن يعني؟!
ـــ الحمد لله أحسن كتير.
ـــ أومال لسة بتنهجي ليه؟
ـــ متقلقش يا أدهم النهجان دا طبيعي… هياخد فترة كدا و هيعدي ان شاء الله.
هز رأسه عدة مرات و هو يتأملها بعشق، فقد افتقدها كثيراً، الأمر الذي أثار خجلها من نظراته المصوبة عليها تماما… فهي لا ترى سوى عينيه بسبب تلك الكمامة، و لكنها حمحمت بتوتر ثم سألته لتتهرب من نظراته:
ـــ احم.. قولي بقى ايه اللي كان شاغلك؟!
تنهد بحزن ثم قال:
ـــ قابلت معتصم النهاردة.
سألته بحماس:
ـــ أكيد طبعاً بلغته موافقتك.
هز رأسه بنفي ثم قال بشجن:
ـــ كان نفسي أوافق خاصة لما حسيت ان ريم مبسوطة بيه و بتحبه… بس للأسف عرفت انه متجوز من فترة و مخبي.. و لولا اني كلفت حد يجيبلي اخباره مكنتش عرفت.
حزنت ندى كثيراً لأجل ريم ثم قالت بخيبة أمل:
ـــ أوف ليه كدا بس… دي ريم كانت فرحانة اوي و كلمتني و هي هناك حسيتها طايرة من الفرحة…ليه يخبي عليها حاجة مهمة زي دي.
ـــ مفيش نصيب.. الحمدلله اننا عرفنا بدري قبل ما كانت تتعلق بيه أكتر من كدا… ساعتها الصدمة كانت هتكون شديدة.
ـــ قدر الله و ما شاء فعل.
سكتا قليلا بشرود ثم عاد أدهم ينظر لها بهيام:
ـــ المهم عايزك تخفي بسرعة بقى عشان محضرلك مفاجأة..
ـــ مفاجأة ايه؟… قول دلوقتي..
ضحك و هو يقول:
ـــ و دي هتبقى مفاجأة ازاي؟… و بعدين مفاجأتي عايزاكي تبقي كويسة و صحتك بمب.
تبسمت ضاحكة و هي تقول:
ـــ شوقتني يا أدهم قول بقى.
ـــ تؤتؤ… مش هقول دلوقتي.. متحاوليش… أخدتي علاجك؟!
ـــ أيوة أخدته.
ـــ طيب نامي بقى عشان ترتاحي و تخفي بسرعة.
تزمرت ملامحها بضيق و هي تقول:
ـــ أوف انا زهقت من النوم و الحبسة في القوضة.
ضحك و هو يقرصها من وجنتها:
ـــ لاحظي ان معداش غير يومين من الاسبوعين… خلي نفسك طويل يا روحي.
هزت رأسها و هي تتنهد بقلة حيلة، فعدل الوسادة خلفها ثم ساعدها على الاستلقاء و دثرها جيدا بغطاء خفيف ثم نظر بعينيها بعشق مخللا أصابعه بين خصلات شعرها الناعمة و هو يقول برقة بالغة:
ــــ تصبحي على خير..
بالكاد خرج صوتها و هي تقول:
ـــ وانت من أهل الخير.
ابتسم لها بسمته الجذابة التى انعكست على عينيه ثم تركها و سار نحو الباب بخطى بطيئة للغاية و كأنه لا يريد تركها و لكن حسنا… فليصبر الى أن تُشفى تماما.
عاد معتصم الى شقته في ساعة متأخرة بحالة يرثى لها، فقد كان شعره أشعث من كثرة عبثه به من فرط غضبه، و أزرار قميصه العلوية مفتوحة من شدة ما جثم على صدره حتى جعل تنفسه بحرية أمرا عسيرا، و چاكت بدلته يمسكه باهمال، و بمجرد ان دلف الشقة ألقى بالچاكت على أقرب كرسي ثم سار الى الغرفة و فتحها ليتفاجئ بنرمين نائمة بالفراش و كأنه قد نسيها تماما، فدلف الغرفة بهدوء و فتح خزانته ليستخرج منها ملابس للنوم ثم خرج بهدوء حتى لا يوقظها ثم اتجه الى غرفة أخرى و أخذ حماما باردا و بدل ملابسه ثم استلقى بفراشه.
شرد قليلا بما حدث في ذلك اليوم الصعب، ثم التقط هاتفه ليفتحه على تلك الصورة الوحيدة التي التقطها لها دون أن تشعر حين كانت تصفق بسعادة في حفل خطبة حمد حين ارتدت ذلك الفستان الأبيض المزرقش بالزهور الحمراء.. كانت رقيقة و بريئة حقا… وجهها يشع ببراءة لم يراها من قبل…
رغم الموقف البغيض الذي اتخذه من شقيقها الا أنه يشعر نحوه بالامتنان أن قام بتربيتها على أحسن ما يكون.
أخذ يتأمل الصورة طويلا و هو يتحسسها بأنامله و كأنها أمامه الآن حتى آلمه قلبه بشدة حين خطر بباله أنه من الممكن أن يخسرها للأبد..
أطبق جفنيه بقوة يحاول عدم التفكير في ذلك الأمر و الا تَعِست حياته، ثم فتح عينيه و هو ينوي باصرار عدم الاستسلام بسهولة و أن يفعل ما بـ,ـوسعه لربما تسمعه و تسامحه.
أما حمد أيضا لم يكن يومه الأول مع زوجته على خير ما يرام، بل أبداً لم يستطع التعامل معها بطبيعته، فمازال متخذا منها موقف بسبب غبائها في ليلتهما الأولى… كان يتعامل معها بصمت تام فقط يطلب الطلب ولا يطيل.
أما صافية فقد استقبلت أمها و أخواتها و هي في حالة من الرعب خشية أن ينفلت لسانها بشيئ يغضبه.
ليس حبا فيه و لكن خوفا من بطشه الذي لاقته منه في أول ليلة لهما… تلك البريئة لم تفهم بعد قيمة زوج كحمد… مازالت تعيش بقوقعة أمها المتسلطة.. لم تفهم معنى الزواج ولا عش الزوجية و ما به من أسراره الخاصة… لم تذق طعم الحب بعد.. و لكن هل سيستطيع حمد أن يستخرجها من شرنقة أمها لتتحول الى فراشة حرة تحلق في سماء حياته؟!
نام بجوارها تلك الليلة و لكن دون أن يلتفت لها رغم اشفاقه عليها من تلك السذاجة التي ستجعل مهمته معها عسيرة للغاية.
كانت ليلة سيئة حقا على الجميع…
ريم نامت باكية على أطلال حبها لمعتصم..
معتصم نام و الهاتف مفتوح على صورتها بيديه.. نام بعدما تألم قلبه و احترق من شدة الألم..
ندى نامت و قلبها يتحرق شوقا لقرب حبيبها.
أدهم نام و هو يحصي الليالي و الأيام حتى يعترف لها بحبه الذي ينمو بسرعة هائلة بداخله و كأن البعد كان امتحانا قاسيا له ليدرك مدى محبته لها.
آسر نام بعدما أثارت مكالمة محمد بداخله براكين الأحزان حتى أدمعت عيناه و هو يتذكر حبيبته الراحلة… لوهلة تمنى لو يلحق بها لعله يتخلص من هذا العذاب.
بينما محمد نام و هو حزينا على ابنته التي تخطو نحو حياة جديدة و لا ينفك لسانها عن ذكر آسر حبيب شقيقتها في نومها و يقظتها… يبدو أن القلب يدق و يحن لحبيبه و ان لم يكن بداخل أحشاء صاحبته الحقيقية……
أما حمد نام بصعوبة و هو يفكر هل حقا ستستمر حياته مع صافية على هذا المنوال… يا لها من حياة قاسية حقا.. لا يدري من أشدهم قسوة عليها من الآخر هل سيكون هو أم ما عاشته مسبقا في كنف أمها.
تفاعل
الحلقة الخامسة والعشرون
استيقظ معتصم قبيل الفجر بنصف ساعة، فكان نومه متقطعا لم يخلو من الكوابيس.
جلس بالفراش قليلا يستجمع نفسه ثم نهض الى المرحاض فتوضأ و عاد ليصلي ركعتين قضاء حاجة تضرع فيهما الى الله بألا يحرمه من ريم و أن يجعل له فيها نصيب.
لم ينقطع دعائه حتى صدح أذان الفجر في الأرجاء فقام بأدائها و جلس يدعو الله مجددا الى أن أشرقت الشمس فنهض و دلف غرفته التي تشاركه فيها نرمين و بمنتهى الحذر التقط بنطال چينز أسود و قميص رصاصي و بليزر أسود كاچوال و أخذ حذائه و جواربه و خرج على أطراف أصابعه حتى لا تستيقظ نرمين و تبدأ معه استجوابا هو في غنى عنه.
عاد الى الغرفة و أخذ حماما سريعا ثم ارتدى ملابسه و مشط شعره و نثر عطره ثم ارتدى حذائه و ساعة اليد و بعدها وقف أمام المرآة يتأمل نفسه قليلا، فأخذ يتحدث اليها بشجن:
ـــ ايه اللي انت عملته في نفسك دا يا معتصم؟!… يا ترى انت كنت صح لما قبلت تتجوز نرمين؟!.. ولا كانت غلطة و انت بتدفع تمنها دلوقتي؟!… أقول ايه؟.. أقول يا ريتني ما كنت قابلت ريم ولا حبيتها؟!.. بس متنكرش ان هي اللي نورت حياتك و خلت فيها روح بعد ما كانت فاضية و باردة و مالهاش طعم… بس يا خسارة أخدت روحي معاها و مشيت..
تنهد بحزن شديد و هو ينظر الى السقف و يضع يديه في جيبي بنطاله لعله يهون من عاصفة الأفكار التي تضرب رأسه ثم استجمع حاله مرة أخرى و التقط مفتاح سيارته من على الكومود و خرج من الشقة بهدوء ثم استقل سيارته و انطلق في ساعة مبكرة جداً الى الشركة.
بعد حوالي ربع ساعة كان جالسا بغرفة مكتبه بالشركة و الموظفون لم يحضروا بعد، فشغل نفسه في العمل لعله يتناسى ما به من حزن و كآبة، فأخذ يراجع بعض الملفات و ينظم بعض المواعيد و يفحص العقود و ما الى ذلك حتى بدأت ساعة الحضور و بدأ الموظفون في التوافد على الشركة.
دلفت السكرتيرة ترحب به فطلب منها وجبة خفيفة مع فنجان القهوة خاصته و أخبرها بادخال هشام له فور مجيئه…
بعد نصف ساعة دخل إليه هشام زوج عائشة شقيقته و جلس بالكرسي المقابل له بعدما ألقى عليه تحية الصباح فتحدث معتصم بجدية و ملامحه عابسة:
ـــ عملت ايه مع موظفين الأمن و الاستقبال؟!
تنهد هشام بضيق ثم قال:
ـــ موظفين الاستقبال اديتهم قرصة ودن مع خصم خمس ايام.
ضرب سطح المكتب بانفعال:
ـــ يترفدوا يا هشام… انا قولت يغوروا من هنا..
رد هشام بعقلانية:
ـــ صعب يا معتصم نلاقي غيرهم دلوقتي… و بعدين الشباب معذورين انضغط عليهم من شوية مخبرين و هددوهم بتلفيق قضايا مخدرات ليهم لو مقالوش على كل اللي يعرفوه عنك و عن نرمين… و نفس الحكاية مع البودي جارد.. بس دول بقى غيرتهم.. الشركة اللي بنتعامل معاها بعتتلنا ناس جديدة النهاردة.
زفر معتصم بضيق بالغ، ثم استرسل بجدية:
ـــ هشام انا مش عايز نرمين تعرف اي حاجة عن ريم… ولا حتى اسمها… استسلامها بسهولة لموضوع الطلاق دا مش مريحني… انت عارف ان الأذية بتجري في دمها و ممكن تنسف أي حد يفكر ياخد منها حاجة… و انت شوفت بنفسك كانت بتعمل ايه مع الشركات المنافسة اثناء المناقصات.. بس كنت سايبها بمزاجي لأنه في الآخر كان بيصب في مصلحة الشركة… انما انها تفكر تأذي ريم فدا اللي مش هسمح بيه أبداً.
لوى شفتيه ببسمة ساخرة و هو يقول:
ـــ و الله لو رجعتلها مش هتفكر حتى تعرف اسمها… نصيحة مني يا معتصم طالما جوازك من ريم بقى صعب.. انساها و كمل حياتك زي ما كانت ماشية مع نرمين… انت كنت مرتاح أكتر قبل ما تقابلها..
تنهد معتصم بعمق و لم يبدي أي ردة فعل، فظن هشام أنه قد اقتنع بكلامه، و لكن هيهات… لقد أقسم أن يفعل ما بـ,ـوسعه لربما تعود له و لكنه أسرَّ ذلك الأمر لنفسه و لم يبده له.
استيقظت ريم أيضا مبكراً و ترددت كثيراً أتذهب لعملها اليوم أم لا.. فهي ليس لديها طاقة للعمل، و بعد تفكير طويل أقرت أن تذهب لعلها تلهي نفسها عن التفكير في أحداث الأمس..
وصلت المشفى في الوقت ثم ارتدت المعطف الطبي خاصتها و بدأت عملها بعدما أقرت في قرارة نفسها ألا تفكر بمعتصم أبداً بعد ذلك لا بالخير و لا بالشر… تريد أن تمحي صورته الجميلة من عقلها و كأنها لم تراه من قبل و ان كان ذلك الأمر صعبا و لكنها ستصر على ذلك.
بعد الكشف على بعض الحالات عادت لتأخذ استراحة قصيرة بمكتب الأطباء بقسم الاستقبال و الطوارئ الذي تعمل به ليدخل اليها خالد، فجلس بالاريكة المقابلة لها و تبدو على ملامحه الارهاق:
ـــ صباح الخير يا ريم.
ـــ صباح النور.. ازيك يا خالد.
ـــ بخير الحمد لله… انتي اللي اخبارك ايه.
ـــ أنا تمام.
تأملها قليلا باعجاب بالغ ثم حمحم ليتحدث بتردد:
ـــ ريم… احم.. أنا كنت مستني فرصة مناسبة عشان أكلمك في موضوع كدا بس بصراحه مش لاقي أي فرصة… تسمحيلي نتكلم دلوقتي بما ان مفيش حد قاعد غيرنا؟!
ردت بعفوية:
ـــ اه اه طبعاً انا سامعاك..
حمحم ثم استرسل بجدية تامة:
ـــ أنا معجب بيكي و عايز أتقدملك و اطلبك للجواز.
تجمدت ملامحها بصدمة، فلم تتوقع ذلك أبداً منه، لم تشعر ناحيته سوى بأنه زميل فقط و حتى لم تلحظ اعجابه بها، و حين طال سكوتها، تجهمت ملامحه بحزن ليقول:
ـــ واضح ان طلبي مرفوض..
عادت لتستجمع حالها ثم ابتلعت ريقها و هي تقول بتوتر:
ـــ لا أبداً أنا… أنا بس اتفاجئت..
حانت منه نصف ابتسامة:
ـــ الحقيقية أنا مش معجب بيكي بس… لا دا أنا بحبك يا ريم… بحبك من أيام ما كنا مع بعض في الكلية بس مكانش ينفع اتكلم معاكي في اي حاجة و احنا لسة بندرس خاصة اني كنت حاسس و ما زلت انه حب من طرف واحد… بس اتمنى تفكري مع نفسك و تحاولي تغيري نظرتك ليا كزميل مهنة و تشوفيني خالد اللي بيحبك و بيتمناكي من زمان أوي.
توترت حالتها للغاية و لم تدري بما يجب عليها أن ترد الآن، لقد وضعها في مأزق صعب… كيف ذلك و قلبها مازال متعلقا بآخر… و لكن لا.. فقد قررت نسيانه للأبد، و يبدو أن ما حدث من خالد الآن ما هو الا اختبار لها أتكون صادقة مع نفسها أم أن قراراتها ستكون هباءا منثورا.
لمس خالد توترها الشديد فأراد أن يقلل من وطأة ارتباكها، فنهض و استأذن منها بالخروج قائلا:
ـــ أنا هخرج دلوقتي اكمل شغلي و انتي فكري و اتكلمي مع عيلتك و هستنى رأيك… و أيا كان هو ايه مش هيقلل من حبي و احترامي ليكي يا ريم.
هزت رأسها عدة مرات بارتباك و هي تتحاشى النظر بعينيه الى أن خرج من الغرفة فتنفست الصعداء و تشوش تفكيرها أكثر… و لكنها آثرت عدم التفكير في أي أمر الآن و لتتحدث مع أدهم لاحقا… فهو أكثر من يعلم خباياها و أكثر شخص سيساعدها في تخطي أمور كهذه.
عودة لشركة معتصم..
حين ثقل عليه حمل العمل أخذ يدلك جانبي جبهته بأصابعه لعله يستعيد تركيزه و يشعر بالارتخاء قليلا..
و اذا به يفتح هاتفه ليأتي بصورتها و يتأملها بروح معذبة و لكن يكفيه النظر لملامحها التي يعشقها، فهي كفيلة بأن تنسيه همومه و لو قليلا..
بدون سابق تخطيط منه وجد نفسه يرسل لها رسالة عبر الواتساب كتب فيها
“عمري ما ندمت في حياتي على حاجة عملتها قد ندمي على جوازي من غيرك… بس و الله العظيم لو كنت اعرف اني هحبك ما كنت اتجوزت قبلك أبداً.. انا عارف اني غلطت اني خبيت عليكي من الأول بس كنت خايف تكرهيني و تبعدي عني.. عايزك تسمعيني لو مرة واحدة بس و بعدين قرري.. و أيا كان قرارك هقـ,ـبله يا ريم مهما كان”
تردد كثيراً أيرسل لها تلك الرسالة أم يمحوها، و بعد تردد كبير قام بلمس أيقونة الارسال ثم وضع الهاتف على سطح المكتب و هو يزفر بعنف… فهو أبداً لم يكن لَزِجا و لم يحدث من قبل أن توسل لفتاة.. و لكنها ليست أي فتاة… لأجلها يفعل المستحيل.
في تلك الأثناء تماما دلفت اليه نرمين و ألقت عليه تحية الصباح و سارت باتجاه مكتبه لتجلس أمامه و تضع ساقا فوق الأخرى ثم تحدثت بدلال:
ـــ مالك يا حبيبي قاعد زعلان كدا ليه؟!.. هي العروسة قافشة عليك ولا ايه؟
ضرب سطح المكتب بقبضة يده بعصبية ليصيح بانفعال:
ـــ الزمي حدودك و مسمعكيش تتكلمي عنها تاني..مفهوم؟!
لم تعير كلامه اهتماما و استرسلت بمزيد من الاستفزاز:
ـــ ليه؟!..مش ناوي تعرفني عليها؟!..ولا هتستنى بقى ليوم الخطوبة؟…امممم..طاب اسمها ايه؟!..مش معقول كمان مش هتقولي على اسمها.
كان يستمع اليها و هو يحاول السيطرة على تلف أعصابه، فهو يدرك جيدا أنها تريد الوصول الى ذلك، فأجابها ببرود:
ـــ متقلقيش هتعرفيها قريب… قريب أوي كمان.
هزت رأسها و هي تحاول كبت غيظها بصعوبة فاسترسلت حديثها و لكن تلك المرة بجدية:
ـــ أنا بعت هدومي و حاجاتي على الفيلا الصبح قبل ما اجي الشركة… تقدر تنام في قوضتك براحتك.
هز رأسه بايجاب دون أن يتكلم، فسكتت قليلا ثم نظرت اليه مجددا و هي تقول باستعطاف:
ـــ أنا هعتبر ان طلاقنا دا مجرد هدنة ليك عشان تفكر اذا كنت فعلا واثق من قرارك دا ولا لأ… و أنا زي ما قولتلك هفضل احبك مهما حصل و باب قلبي مفتوحلك في أي وقت.. مهما حصل يا معتصم مش هلومك ابدا لو حبيت ترجعلي و هفتحلك دراعاتي و مش هسألك رجعت ليه.. صدقني.. مش هتلاقي حد يحبك قدي.
تنهد معتصم و هو ينظر للجهة الأخرى ثم عاد ينظر اليها ليقول بجدية تتخللها نبرة سخرية:
ـــ تمام…و أنا طبعا مش هنسالك وقفتك جنبي.. و مقدر قد ايه انتي بتحبيني… بس زي ما قولتي اديني هدنة و سيبيني أجرب.. يمكن اكون غلطان فعلاً… بس من هنا لحد ما أعرف غلطي يا ريت تحاولي تفتكري دايما ان احنا مجرد شركا و بس… اتفقنا يا نرمين؟!
أصابتها حالة من الاحباط و لكنها على أية حال أومأت بموافقة ثم استأذنت منه بالخروج..
زفر أنفاسه بعنف فقد استطاعت اتلاف أعصابه للغاية و هو بالكاد يسيطر عليها.
تفقد هاتفه ليرى اذا ما كانت ريم قد رأت رسالته، فوجد أنها قرأتها و لكن لم ترد، فاغتاظ كثيرا و تلفت أعصابه أكثر و بدون وعي منه وجد نفسه يتصل بها…
على الناحية الأخرى بعدما قرأت رسالته شعرت بالبغض الشديد تجاهه و لم تهتز مشاعرها نحوه قيد أنملة بل ازداد سخطها عليه أكثر و اعادت الهاتف الى جيب معطفها مرة أخرى و تابعت طريقها نحو غرفة سكن الطبيبات.
بعد دقائق رن هاتفها برقمه فقررت أن ترد عليه الرد الأخير و الذي ستنهي به على ما تبقى بينهما….
ـــ ألو… ريم اظن انتي شوفتي رسالتي.. يعني مجاش على بالك تردي عليا؟!
أجابته ببرود تام:
ـــ معادش فيه بينا كلام يتقال..
أجابها باصرار:
ـــ لأ في..لازم تسمعيني..لازم نتقابل و تفهمي كل حاجة و بعدها قرري.
ردت بنبرة موجعة:
ـــ صدقني مش هتفرق كتير…قراري مش هيتغير..
ـــ بس على الأقل متسبينيش و أنا صغير في نظرك.
أجابته و هي تشعر بوخذات أليمة بقلبها:
ـــ صغير او كبير..مفيش بينا حاجة تستاهل اللي انت بتعمله دا كله..
اجابها بانفعال:
ـــ لا في يا ريم… في بينا حب يستاهل أعافر عشانه.. انا بحبك و انتي بتحبيني و…
قاطعته بقولها:
ـــ لحظة كدا… انا امتى قولتلك اني بحبك؟!
سكت و كأنها سكبت دلوا من الثلج على رأسه و لكن سرعان ما عاد ليقول بنبرة أليمة:
ـــ مقولتيش بس حسيت منك كدا.. شوفتها في عنيكي.. في كلامك.. في ابتسامتك.. يعني اكيد احساسي مش غلط.
ردت بسخرية:
ـــ لا تقريبا كدا انت محتاج تكشف على نظرك.. مش معنى اني وافقت اننا نرتبط يبقى انا حبيتك.. بدليل اني اتخطيتك و هتخطب لواحد تاني عادي جدا.
سكت معتصم مصدوما مما تقوله و علت وتيرة تنفسه للغاية من فرط الصدمة، فاسترسلت ريم بمزيد من الضغط و كأنها تضربه بقبضتيها على جرح عميق في قلبه ينزف بضراوة حتى كاد أن يودي بحياته:
ـــ يا ريت بقى تنسى انك عرفتني و متحاولش تتصل بيا تاني لاني هكون ملك واحد تاني يا معتصم بيه.
أغلقت الخط ثم بدأ صدرها يعلو و يهبط بشدة و عبراتها تهطل بغزارة من عينيها، لا تدري كيف خطر ببالها أن تنتقم منه بهذه الطريقة و تخبره بأمر خطبتها لغيره و لو بالكذب؟!
و حين علت وتيرة تنفسها و زاد ارتجاف جسدها احتضنته بذراعيها ربما تنتظم أنفاسها و لكن هيهات…انها تحتاجه الآن أكثر من أي وقت مضى..انها تريده أمامها الآن ليحتضنها و ينتشلها من تلك الحالة التي أزهقت روحها…رباه ماذا فعلت بنفسها؟!…انها تعاقب نفسها أكثر مما تعاقبه…
حمدت الله أنها الآن بغرفة السكن بمفردها و الا كانت الأعين ستنظر اليها بالفضول..
بقيت قرابة النصف ساعة تحتضن جسدها و تحاول تهدئة نفسها الى أن غفت بمكانها على الكرسي دون أن تشعر..
بينما معتصم هامت به الدنيا حتى شعر بالاختناق، فنهض ليخلع سترته ثم فك أزرار قميصه العلوية ربما يستطيع التنفس بعدما خنقته بكلماتها القاسية و غرست سكينا ملتهبا في عمق قلبه…
مساءا عاد آسر الي منزله و تناول العشاء مع والده ثم دلف غرفته ليأخذ قسطا من الراحة، فخطر بباله أن يتصل بعمه محمد ليطمئن على موده كما وعده أمس،
و لحسن الحظ كانت مودة في ذلك الوقت مستيقظة و حين أتى محمد اتصال آسر انفرجت أساريره و راح يقول لابنته:
ـــ اهو يا ستي آسر بيتصل على السيرة… انا هكلمه كلمتين و بعدين هديكي الفون تكلميه فيديو.. تمام؟!
ردت بصوت مجهد قليلا:
ـــ تمام يا بابا.
فتح المكالمة ليظهر أمامه آسر على شاشة الهاتف فابتسم محمد بحبور:
ـــ و الله فيك الخير يابني.. مخلفتش بوعدك.
ضحك آسر:
ـــ مقدرش أخلف وعدي معاك يا عمو… عامل ايه يا حبيبي و صحتك اخبارها ايه؟!
ـــ و الله يابني أنا كويس طول ما انتو كويسين.
ـــ و ميري أخبارها ايه؟!
سكت محمد و هو يبتلع ريقه فقد أخطأ في ذكر اسم مودة، ليحمحم مصححا له:
ـــ مودة بخير يا حبيبي… عايزة تكلمك..
حمحم آسر بحرج بعدما أدرك خطأه و دعى بألا تلحظ مودة ذلك، فالتقطت الهاتف لتظهر أمام آسر بوجه مستدير تغطي شعرها بغطاء طبي أزرق مظهرا رقبتها الطويلة البيضاء و ترتدي أيضاً مريلة طبية زرقاء، فاخذ آسر يتأملها بتعحب.. انه يراها و كأنه يرى ميريهان أمامه، فدق قلبه بعنف و أخذ يبتلع ريقه بتوتر من تلك الحالة الغريبة التي انتابته، و لم يكن حالها أقل منه، بل أيضا دق قلبها بشدة حين تمثلت صورته أمامها و كأنها تراه لأول مرة، اختلفت نظرتها له كثيرا، فأخرجته من تلك الحالة بصوتها الرقيق:
ـــ ازيك يا آسر عامل ايه؟!
عاد لوعيه حينها ليرد عليها بابتسامة صافية:
ـــ انا تمام يا مير… يا مودة بخير الحمد لله.. انتي اللي عاملة ايه؟!
ابتسمت له برقة فاختطفت قلبه ببسمتها:
ـــ انا الحمد لله بقيت كويسة..
زادت بسمته اتساعا ليقول و الدهشة بادية على وجهه:
ـــ سبحان الله كأني شايف ميري قدامي دلوقتي..
ضحكت ضحكة بسيطة لتقول:
ـــ ما هي ميري اصلا فيها شبه كبير مني.. بس انت اللي مكنتش واخد بالك..
رفع كتفيه لأعلى:
ـــ يمكن.. بس أول مرة فعلا أحسن انها شبهك اوي كدا..
تحولت ملامحها بحزن لتسأله بترقب:
ـــ هي عاملة ايه يا آسر… تفتكر ممكن تعدي من الغيبوبة دي؟!
احتلت الصدمة ملامحه فلم يخبره ابيها بما قاله لها بالضبط، فتدخل محمد سريعا يقاطعهما:
ـــ بقولك ايه يا آسر يا حبيبي.. أنا هروح اشوف الدكتور رؤف و هرجعلك تاني.. سلام يا حبيبي..
ـــ تمام يا عمو مع السلامة… في رعاية الله.
تنفس آسر الصعداء و حاول لملمة شتات نفسه بعدما اخطأ في نطق اسمها و ارتباكه حين سألته عنها، و حالة التشوش التي انتابته حين رآها و كأنه رأى حبيبته… حقا لا يدري ماذا حل به.. و لكنه لا ينكر أن رؤيتها هونت من حزنه على ميريهان و كأنها حية و تعيش بدنياه..
بينما محمد غادر من أمام مودة سريعا قبل أن تستجوبه بخصوص شقيقتها، و اتجه الى مكتب الدكتور رؤف…
ـــ انت فعلا كان عندك حق يا رؤف… مكالمة مودة مع آسر خلتها واحدة تانية خالص.. و صوتها فجأة بقى طبيعي بعد ما كان علطول تعبان.
ابتسم رؤف بسعادة ليقول بجدية:
ـــ يبقى توقعي طلع صحيح… رغم ان الدراسات و الابحاث اللي اتعملت على مرضى زراعة القلب اثبتت ان القلب المزروع مالهوش علاقة بالمشاعر بس مرضى كتير حكوا تجربتهم ان فعلا مشاعرهم و طباعهم اتغيرت بنسبة ما بعد الزرع.. و بقى بيحبوا حاجات مكنوش بيحبوها قبل الزرع و دا بيرجع لقلب المتبرع و حبه و كرهه للحاجات دي..
أخذ محمد يهز رأسه بتعحب و هو يقول:
ـــ سبحان الله… له في خلقه شؤون.
استند رؤف بذراعيه الى سطح المكتب ليقترب برأسه من محمد ثم قال:
ـــ أنا رأيي انها ترجع مصر بقى و التواصل بينها و بين آسر يزيد.. دا هيحسن نفسيتها جدا و هنضمن ان العملية نجحت بنسبة مية في المية.
تنهد محمد بقلق:
ـــ لو شوفتهم و هما بيتكلمو مع بعض من شوية هتحس فعلا انهم اتنين حبيبة … بس آسر بطبيعته شخصية عاطفية و رومانسي و أسلوبه كدا في الكلام…دا العادي بتاعه… يعني خايف ميتقبلش ان مودة تحل محل ميري في قلبه.. مش عارف اعمل ايه..
ـــ دي مهمتك بقى يا محمد… حاول تخترع حجج عشان يقربوا من بعض و اديله انطباع انك مش ممانع ارتباطهم و ان ميري مش عائق بينهم أبداً.