عذراء لدالرعد

كان الاجتماع منعقداً حين تلقى “ثائر”، مساعد رعد ووالد الفتاة، مكالمة هاتفية جعلت وجهه يشحب ويسقط الهاتف من يده. سأله رعد بقلق: “انت كويس؟”

استند ثائر عليه وهو يتصبب عرقاً: “بنتي.. بنتي في المستشفى.. دي بنتي الوحيدة، ماليش غيرها.. لازم أمشي.” لم يستطع الوقوف، فأسنده رعد وقرر توصيله بنفسه تقديراً لعشرة العمر مع والده.

فور وصولهم المستشفى، جرى ثائر نحو الطبيب: “طمني يا دكتور، بنتي عاملة إيه؟” رد الطبيب بعملية: “مدام زينب بقت أحسن، بس للأسف.. خسرنا الجنين.”

تجمد ثائر مكانه: “جنين؟ جنين إيه؟ إزاي؟!” لم يتحمل الصدمة وسقط مغشياً عليه، ليتلقاه رعد الذي وقف مذهولاً لا يفهم شيئاً مما يحدث.

بعد مرور الوقت، كان رعد يدخن سيجارته أمام النافذة يفكر في مصيبة هذا الرجل الطيب. حين أفاق ثائر، جرى عليه رعد: “أنت كويس يا عم ثائر؟” رد ثائر بكسرة نفس: “مش كويس.. سيرتنا بقت على كل لسان.. بنتي جابتلي العار.. إزاي هوري وشي للناس؟ ولاد عمها مش هيسيبوها حية.. ليه يا زينب؟ أنا قصرت معاكي في إيه؟”

حاول رعد تهدئته: “اهدى يا عمي، كل حاجة وليها حل.” صرخ ثائر: “حل إيه؟ العار هيفضل ملازمني طول العمر.”

قطع حديثهم دخول الطبيب ليخبرهم بإفاقتها، لكنها كانت في حالة صدمة تمنعها من الكلام. عندما دلف رعد للداخل، صُدم من هيئتها. كانت فتاة بملامح بريئة لا توحي بما سَمِع.

اقترب ثائر منها بدموع: “ليه عملتي كده؟ وطيّتي راسي ليه؟ عمامك كان معاهم حق لما قالوا معرفتش أربي.” حاولت الحديث، لكن صوتها خذلها، فانهارت في البكاء. صرخ ثائر: “مين اللي عمل فيكي كده؟ انطقي!” توالت كلماته كالسياط، حتى تدخل رعد بحزم وأخرج الأب من الغرفة لتهدئته.

مر يومان، ورعد لا ينقطع عن زيارتهم حتى خروجها. وفي السيارة، قرر رعد أن ينهي هذا الجدل بطريقته الخاصة. فاجأ رعد “ثائر” بطلب الزواج من ابنته التي تصغره بخمسة عشر عاماً، ليحميها من “حكم العائلة” ويستر عليها، رغم قناعته بخطئها.

في بيت رعد: قال ثائر بانكسار: “مبروك يا رعد بيه.” رد رعد بجدية: “دلوقتي هي مراتي.. سيبنا لوحدنا.” همس ثائر وهو يمسك ذراعه: “يا ابني هي لسة صغيرة.. عارف أنها غلطت، بس أنت وعدتني.. متنساش وعدك إنك تحميها.” ربت رعد على يده: “اطمن يا عمي.”

دخل رعد الغرفة، فانتفضت زينب وحاولت الخروج، لكنه أمسك ذراعها ودفعها بخفة لتجلس: “اقعدي.. هنتكلم.” كانت ترتجف، وعيونها تصرخ بكلمات لا تستطيع نطقها. قال رعد بجمود: “أنتِ دلوقتي مراتي، برضاكي أو غصب عنك.. ده الواقع. دموع التماسيح دي تنسيها، والدلع بتاع باباكي خلص. أنا وعدته إني هربيكي من أول وجديد.”

كان تهديده صريحاً، تركها وخرج، لترتمي هي على الفراش تبكي مصيرها المجهول. لم يمر وقت طويل حتى سمعت طرقات عنيفة على الباب وصراخاً بالخارج. إنه هجوم أعمامها.. جاؤوا “لغسل العار”.

حاول والدها منعهم، ووسط التدافع والشجار، سقط الأب صريعاً بسكتة قلبية لم تمهله. صرخت زينب أخيراً، خرج صوتها من هول الفاجعة: “بابااااا!” لكن الأوان كان قد فات. مات السند، وبقيت هي فريسة سهلة.

أخذوها عنوة إلى البلد لحضور العزاء، وهناك قرروا تزويجها فوراً لابن عمها “سليم” طمعاً في الميراث وستراً للفضيحة المزعومة. كانت زينب جثة بلا روح، مستسلمة تماماً، حتى لحظة كتب الكتاب.. حين اقتحمت الشرطة المكان.

الفصل الثالث: المواجهة

“كتاب مين اللي هيتكتب؟” قالها رعد ببرود وهو يقتحم المجلس. صرخ سليم: “أنت مين عشان تدخل كده؟” رد رعد وهو يشعل سيجارته: “جوز العروسة.”

ساد الصمت والذهول. اقترب رعد منها، أمسك يدها بقوة، وقال لسليم بتهكم: “تحمد ربنا إني هكتفي بمراتي ومش هعمل محضر خطف.” حاول عمها الاعتراض ورفع سلاحه: “على جثتي تخرج من هنا!” لكن الشرطة حاصرتهم فوراً.

سحبها رعد خلفه وهي تمشي كالمغيبة، ركبت السيارة بجانبه بصمت تام. طوال الطريق، كان التجاهل سيد الموقف، حتى همست بصوت مبحوح: “لو سمحت…” تجاهلها. كررتها ببكاء: “لو سمحت.. أنا بكلمك.” أوقف السيارة بحدة: “عايزة إيه؟” قالت وهي تمسح دموعها: “عايزة أزور قبر بابا.. أرجوك، ما لحقتش أودعه.”

تأفف بضيق لكنه استجاب، وأخذها للمقابر. تركها تفرغ حزنها قليلاً ثم عاد يسحبها بقلة صبر: “كفاية، مش وقت دراما، يلا بينا.” حاولت الاعتراض فصرخ فيها: “مش عايز أسمع صوتك!”

وصلوا إلى إحدى شققه الخاصة. كانت قد نامت من الإرهاق في السيارة، فحملها للداخل. حين وضعها على الفراش، تمسكت يده وهي تحلم: “بابا.. ما تسبنيش.” رق قلبه للحظة وهو يتأمل ملامحها البريئة، نسي غضبه، واقترب منها بلا وعي، مفتوناً بجمالها الحزين.

استيقظت مفزوعة على قربه الشديد، وبحركة لا إرادية صفعته: “ابعد عني!” تحول رعد في لحظة إلى وحش هائج. كيف تجرؤ؟ أمسكها من شعرها وصرخ: “أنتِ بتضربيني أنا؟” حاولت الدفاع عن نفسها، لكنه فقد السيطرة على أعصابه، دفعها بقوة وانهال عليها بالكلمات الجارحة والتهديد، ثم خلع حزامه ليعاقبها، فضربها ضربة جعلتها تصرخ بألم وقهر.

توقف فجأة حين رأى نظرة الانكسار في عينيها.. تذكر والدها.. تذكر وعده. ألقى الحزام وخرج من الغرفة مسرعاً، وتركها خلفه ككومة من الحطام.

جلس في الصالة يدخن بشراهة، يلوم نفسه. كيف تحول لهذا الشخص؟ كيف مد يده عليها؟ مرت ساعات وهو في صراع نفسي، حتى طلع الفجر. قرر الدخول للاطمئنان عليها والاعتذار، لكن ما رآه ألجم لسانه.

كانت زينب ملقاة على الأرض، والدماء تغطي ذراعها وملابسها.. لقد حاولت إنهاء حياتها للتخلص من هذا العذاب. تسمر مكانه للحظة، ثم انتفض كالمجنون. حملها وركض بها إلى الخارج، صوته يزلزل المستشفى فور وصوله: “دكتور! بسرعة! هتموت مني!”

انقلبت المستشفى رأساً على عقب لإنقاذ زوجة “رعد باشا”. وقف هو في الممر، ملابسه ملطخة بدمائها، يتمتم بكلمات غير مفهومة، يدعو الله ألا تموت.. ألا يكون هو السبب في نهايتها.

خرج الطبيب بعد مدة طويلة، وعلى وجهه علامات الأسى، ليخبر رعد بما جعله يتجمد مكانه…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *