ما دار عاد حصري بقلم اسما السيد

الليل كان هادي في الحارة أكتر من المعتاد، بس بيت عيلة «الشيخ عبد الحميد» كله منوّر وزينة معلقة على الحيطان، وضحك النسوان مالي المكان.

«لارا» قاعدة قدّام المراية، بتلمّس فستانها الأبيض بإيديها المرتعشة.

بعد سنين عاشتهم برا مصر، راجعة النهارده عشان تتجوز ابن خالها «أسد»… الحكاية اللي كانت بتقول لنفسها إنها نصيب مكتوب من زمان.

المراية قدامها كانت بتعكس بنت جميلة فعلاً، شعرها نازل على ضهرها بلون كستنائي ناعم، وعيونها فيها خليط غريب من الخوف والفرحة.

أمها دخلت عليها وهي شايلة طرحة الفرح وقالت:

– “يا رب يا بنتي أشوفك مبسوطة يا لارا، تعب السنين دا كله ما يروحش على الفاضي.”

ضحكت لارا بخفة وقالت:

– “إن شاء الله يا ماما… أسد بيحبني، وأنا كمان بحبه.”

ردّت أمها وهي بتزفر:

– “هو طيب يا بنتي، بس شدّته الزيادة دي بخوفني.”

لارا هزّت راسها وقالت:

– “يمكن ده من غيرته عليا، غبت عنه سنين طبيعي يتغيّر شوية ولا انتي شايفه ايه؟.”

= شايفه كل خير ربنا يسترك يا بنتي

عدّت ساعات، والبيت كله اتقلب كله بيستعد للفرح.

صوت الأغاني، ريحة البخور، النسوان بتضحك، والعيال بتجري بين الكراسي فرح مصري شعبي اصيل الكل فرحان وبيبارك

أسد كان تحت بيستقبل المعازيم، لابس بدلة سودة، شكله جذاب بس ملامحه ناشفة شوية.

من برة كان عريس مثالي، بس جواه في حاجة مكبوتة… غيرة؟ خوف؟ محدش كان يعرف، زي كتاب مقفول

قبل ما يطلع يجيب عروسته من فوق، طلب يشوفها دقيقة.

الكل استغرب، بس قالوا: عادي ، ملهوف عليها ومش قادر بسنتي

حكاوي ستات بسيطه اللي هيحصل واللي بيفكر فيه اسد اكبر من تخيلهم

دخلت الأوضة، لقته واقف على الباب ساكت، بيبص لها من فوق لتحت بنظرة غريبة، فيها قلق مش مفهوم.

ابتسمت له وقربت منه بحب ، وقالت بخجل:

– “مالك يا بابا؟ شكلك متوتر كأنك أول مرة تشوفني!” كانت بتناديله بابا كان بالنسبه ليها الدنيا كلها شايفه فيه حنيه اب، أمان اخ، وتملك حبيب.

قرب منها خطوتين وقال بنبرة جادة جدًا:

– “لارا، أنا عايز أسألك سؤال مهم قبل ما نكمّل الليلة دي.”

ضحكت وقالت:

– “إيه يا أسد؟ إحنا خلاص يابابا، الفرح هيبدأ كنت اسالني واحنا مع بعض كان نفسي نعمل فيرست لوك”

لكنه قالها ببرود خلى قلبها يقع:

– “انتي… حصلك ختان ولا لأ؟”

الكلمة وقعت في الاوضة وعلي قلبها زي القنبله الموقوتة..

الضحك اختفى، والهواء نفسه بقى تقيل..

هي ما فهمتش في الأول، وبعدها وشّها ابيض، وقالت بصوت مخـ,ـنوق:

– “إيه؟ إنت بتقول إيه يا أسد؟!”

ردّ بعصبية:

– “سؤال بسيط، جاوبيني، عايز أعرف دلوقتي قبل ما نطلع.”

– “إنت عاقل؟! إزاي تسألني كده؟!”

– “من حقي أعرف! كل الرجالة في الحارة بيتكلموا عن الحاجات دي، وأنا مش عايز أعيش في شكّ.”

عيونها دمعت، قالت بصوت متقطع:

– “أنا اتربيت برا، في بلد بيحرّموا الحاجات دي، وعمري ما تعرضت لكده… بس إزاي تفكر فيا بالشكل دا؟!”

مترددش هو لف وشه عنها وقال:

– “يبقى مش هقدر أتجوزك، لازم تكوني مختونه علشان اقدر اطمنلك”

الصدمة خلتها تقع على الكرسي.

يعني ايه؟ انت جاي دلوقتي تقولي كده؟

كان بارد، قلبه من حديد، شكله اتغير كأنه عليه غبار مقرف ، قرفت منه

= اللي حصل بقي ملناش نصيب مع بعض

أمها دخلت على الصوت، شافت المشهد، وشها قلب فجاه، قلبها وقع في رجلها كانت حاسه اصلا

– “في إيه يا أسد؟!”

– “مفيش يا عمتي، بس أنا مش هكمل الجوازة دي.”

صرخت الأم:

– “ليه؟!”

ردّ وهو بيحاول يهرب من نظراتهم:

– “مش مرتاح… البنت اتربت برا، وأنا مش مطمن.”

الكلام نزل زي السكـ,,ــــين.

النسوان اللي في الصالة سمعوا الهمهمة، الحارة كلها قامت على رجل.

في نص ساعة الفرح اتلغى، والأنوار انطفت، والدنيا كلها بقت صمت.

لارا قعدت في أوضتها تبكي، مش قادرة تصدّق إن حياتها اتك*سرت بكلمة.

كانت بتفتكر كل لحظة شاركته فيها، كل وعد، كل ضحكة… وكلها دلوقتي راحت.

أمها حاولت تهديها، لكن هي كانت غرقانة في وجعها.

قالت بهدوء ميت:

– “هو ماكنش بيحبني يا ماما، هو كان عايز يتجوز آله مش إنسانة.”

الناس في الحارة ما رحمتهاش، بدأ الكلام ينتشر:

“أسد سابها عشان اتربت برا ويا عالم غلطت ولا لا”

“أكيد في حاجة غلط فيها مش هيسيبها من نفسه كده”

“هو راجل محترم، عارف مصلحته إنما البنت مشكوك بامرها.”

أما هو، فكان ماشي في الشارع بعدها بأيام، شايل على وشه نظرة ندم غريب، بس كبرياؤه مانعه يقول الحقيقة.

كان كل يوم ينزل ويقف قدام شقتها ماهم ساكنين مع بعض يوقف لحظة، وبعدين يكمل كأنه ميت.

أما لارا، فقررت تسافر تاني.

قالت لأمها:

– “أنا مش هرجع تاني البلد دي، ولا الحارة دي. أنا رجعت أدوّر على وطن، لقيت وجع.”

وقبل ما تسافر بيوم، سابت ورقة صغيرة لامه، مكتوب فيها بخطها:

> “سؤالك ك*سرني مش عشان الكلمة، لكن عشان عرفت إنك عمرك ما شفتني إنسانة.

اللي بيشك في طهارة روحي، عمره ما يستحقها.”

عدّى ٤ سنين بالتمام.

الحارة نفسها، بس وشوشها اتغيّرت شوية… في ناس مشيت، وناس اتجوزت، وناس ما زالت بتقف على القهوة تحكي نفس الحكايات.

بس اللي محدش نسيه — ليلة فرح لارا اللي اتقلب لجنازة.

من يومها وهي اختفت.

قالوا سافرت، وقالوا راحت تشتغل برا تاني، وقالوا كمان إنها اتجوّزت واحد أجنبي.

كل واحد كان عنده قصة، بس الحقيقة محدش كان يعرف حاجة.

حتى أسد نفسه… رغم إنه اتجوّز بعد كده بنت من الحارة اسمها «نسمه»، عمره ما قدر ينسى الوش اللي سابه بيبكي في الليلة دي.

في يوم، بعد سنتين بالضبط، عربية سوداء نضيفة وقفت قدام الحارة.

العيال جريوا يشوفوا مين اللي نزل…

كانت لارا.

لابسة لبس بسيط شيك، شعرها مربوط ووشها هادي، بس النظرة في عينيها اتغيّرت…

مش البنت اللي كانت بتخاف أو تتكسف، دي واحدة رجعت من الحرب.

الناس بصّتلها، والهمس رجع من جديد:

– “ياااه! دي لارا!”

– “رجعت بعد اللي حصل؟!”

– “سبحان الله، شكلها اتغيّر.”

هي ما علّقتش، مشت بخطوات واثقة لحد بيتهم.

أمها فتحت الباب، وشها نَوّر بالدموع.

– “لارااا! يا بنتي! اخيرا!”

حـ,ـضنتها وقالت:

1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *