بنت فقيره
بنت فقيره، لكن جميله حد الفتنه بتبيع فطير دمياطي على ناصية صغيرة بالقرب من قرية سياحيه جديده في دمياط حاولوا كتير يبعدوها عن المكان ده لان وجودها بيشوه فعلا مظهره بس مقدروش عليها لحد ما في يوم في خناقه زي العاده مع الشباب اللي بتغلس عليها نزل شاب طول بعرض، هيبه كده من عربيته ودافع عنها وبعد الخناقه اتفاجات أن هو دا صاحب القريه اللي كل يوم تسبه وتلعن فيه وفي ظل*مه ومن هنا اتغيرت الحكايه..النهار كان حر، والشمس ضاربة في الأسفلت كأنها بتنتقم.
الناس رايحة جاية، والزحمة في الشارع قرب البحر في دمياط لا تطاق.
على ناصية صغيرة، كان فيه كشك خشب بسيط، متزيّن بورق ملون، وريحة الفطير الدمايطي ماليه المكان.
غزل كانت واقفة ورا الكشك بتاعها ، طرحتها ملفوفة على شعرها الدهبي اللي بيهرب منه خصلتين عنيدة بعشوائية
وإيديها بتتحرك بخفة وهي بتفرد العجين وتضحك لزباينها.
ضحكتها كانت صافية لدرجة تخلي الواحد ينسى تعب اليوم.
لكن دايمًا في كل شارع فيه عُقد ناقصة.
شوية شباب قاعدين على الرصيف، بيشربوا شاي ويرخموا عليها بكلام سخيف، وألفاظ خارجه، كانت بتتجاهلهم، بس في عينيها كان في شرارة وجع وكبت، بسبب فقرها
في الناحية التانية، كان موكب صغير داخل الشارع:
عربيات فخمة، كاميرات، وناس لابسة بدلات.
رائد: صاحب القرية السياحية الجديدة كان نازل يشوف المكان قبل الافتتاح الكبير. شاب ثلاثيني وسيم، ملامحه جامدة زي الحجر، نظراته حادة، وكل اللي حواليه بيعملوا ليه الف حساب
بس لما عينه وقعت على المشهد قدامه، شباب بيضايقوا بنت بتبيع فطير الدم فار في عروقه، مش عارف ليه رجله اتحركت لوحدها ولا ليه صوته خرج بالحده دي فيهم:
” ايه يا حيلتها انت وهو بتتشطروا علي بنت ضعيفه
الناس اتلمّت، والشباب اتلخبطوا ومشوا بسرعه.
غزل بصتله بخضة، وبعدين قالت بهدوء:
> “متشكرّه يا بيه… بس أنا متعودة.”
هو بصّ لها، مستغرب من قوة كلامها رغم الوجع اللي في نبرتها.
=متعودة؟! يعني إيه متعودة؟ المفروض متسمحيش لحد يتعرضلك كده؟ابتسمت ابتسامة صغيرة وقالت:
=اللي بيقف في الشارع لازم يبقى قلبه جامد يا بيه، وأنا خلاص اتعودت.” سكت لحظة، وبص حوالين المكان.
لاحظ إن الكشك بتاعها واقف على حدود الأرض اللي المفروض جزء من مدخل القرية السياحية الجديدة.
رفع حاجبه وقال بنبرة عملية:
> “الكشك ده بتاعك؟”
قالت:
“أيوه، من سنين. دي أكل عيشي.”
ابتسم بسخ*رية خفيفة وقال: اممم إنتِ البنت اللي رافضة تسيبلي المكان اللي داخل في مشروع القرية؟
غزل اتجمدت مكانها، ووشها اتبدّل لونه: حضرتك رائد بيه؟!
ردّ بابتسامة باردة: أيوه للأسف… وواضح إننا هنقابل بعض تاني قريب.” ردد كلامه ببرود ومشي بس قبل ما يركب عربيته، بصّ لها تاني — نظرة فيها حيرة مش مفهومة،
زي اللي قلبه ابتدى يفتكر إنه كان لسه بيحس باللي حواليه أو حس خصيصا بيها
تاني يوم، الجو كان رايق، نسمة بحر خفيفة داخلة من ناحية الكورنيش.
رائد كان في مكتبه في موقع القرية، قاعد ووشه مش باين عليه حاجه ، بيقلب في الأوراق لكن الحقيقة إنه مش مركز خالص.
كل شوية، صوره غزل بضحكتها الخفيفة وصوتها الهادي كانت بتعدي في دماغه.
حاول يركّز، قال لنفسه:
=ايه اللي حصللي؟ دي بنت في الشارع، وأنا عندي افتتاح بعد أسبوع! ركّز يا رائد.
بس بعد ساعة، كان واقف بنفسه عند الكشك الصغير.
هي شافته من بعيد، قلبها دق جامد، بس حاولت تبان هادية.
غزل: “طصباح الخير يا بيه، الفطير النهارده سخن أهو، لو عايز تجرب.
رائد بابتسامة خفيفة):مش جاي آكل، جاي أتكلم.
قالت وهي تمسح إيديها في المريلة: “ما هو الكلام عمره ما كان ببلاش، اتفضل.”
ضحك غصب عنه، أول مرة حد يرد عليه بالشكل ده من غير ما يخاف: غزل الأرض دي داخل حدود القرية الجديدة، واللي بتعمليه هنا مش قانوني, أنا ممكن أديكي مكان جوه القرية، نظيف وآمن، وتبيعي براحتك.”
بصت له بثبات وقالت: أنا مش عايزة معروف من حد، دي ناصيتي وده مكاني، أبويا الله يرحمه كان بيقف هنا، ووصّاني ما أسيبشوش لحد تاني.
اتنهد وقال بنفاد صبر: بس كده المشروع كله هيتأخر، والمكان لازم يفضى، انت مشوهالي المنظر بصراحه
غزل: “المكان هيتفضى لما أنا أمو*ت، مش عناد، بس لأن محدش غيري يعرف قد إيه الرزق هنا مرّ ومحدش يعرف خد من عمري وعمر والدي قد ايه، الحكايه أعمق بكتير
سكت، وبص في عينيها لأول مرة يحس إن الكلام اللي طالع من بنت بسيطة كأنه درس اتكتب مخصوص له.
كان دايمًا فاكر إن الدنيا ملك الناس اللي عندها سلطة،
بس غزل وقفت قصاده بثقة مش موجودة عند أكبر رجال الأعمال اللي يعرفهم.
ابتسم وقال بهدوء: واضح إننا هنتخانق كتير يا غزل.”
قالت وهي بتلف الفطير في ورقة: الخناق مش وحش يا بيه، بس متظل*مش حد تاني
ومدّت له الفطيرة، وقالت: مينفعش تكون في دمياط ومدوقش الفطير الدمياطي، اتمني تغير مودك
أخدها وهو مش قادر يخبي ضحكته.
في اللحظة دي حسّ بحاجة غريبة جدًا…
كان قلبه، اللي متعود يبقى صخر،
ابتدى يدقّ ببطء… كأنه فاكر إنه لسه عايش.
عدّى يومين بعد كلامهم،
ورائد ما قدرش يطلّع غزل من دماغه، رغم إنه حاول بكل الطرق يشغل نفسه.
كل مرّة يعدّي من جنب الناصية، يلاقيها واقفة بنفس الثبات،
وشوية الناس حواليها بيضحكوا وياكلوا، كأنها نقطة النور الوحيدة في الزحمة. لكن في يوم الصبح، وصل الموقع،
ولقى العمال متجمعين، وصوت دوشة عالي.
واحد من العمال قال: يا باشا، في لجنة من المحافظة نزلت تشوف المخالفات… والكشك بتاع البنت دي هيتشال النهارده.
رائد اتفاجئ، قلبه اتقب*ض من غير ما يفهم ليه، جري على المكان، لقى غزل بتعيّط وهي بتحاول تمسك في الكشك الخشب.
رجال الحي بيحاولوا يفكوه، وهي بتقول بصوت متكسر:
> “حرام عليكم… ده رزقي ورزق أمي! هو أنا عاملة إيه؟!”
رائد دخل في النص بصوت عالي:
> “وقفوا شغلكم دلوقتي!”
الكل سكت،غزل بصت له، دموعها نازلة : إنت اللي بلّغت عني؟! مش كفاية إنك عايز تاخد مكاني؟! اتخض من كلامها : إيه؟ أنا؟ لأ طبعًا، أنا معرفش حاجة عن اللي حصل!
صرخت فيه: كلكم شبه بعض، بتتعاملو مع الغلابة كأننا حشرات
الكلمة وجعته أكتر من أي حاجة، بس في اللحظة دي حاول يلملم نفسه وقال للرجالة: سيبوا الكشك في حاله، واللي عنده مشكلة يكلمني أنا شخصيًا.
الرجالة مشيوا، وهي فضلت واقفة مكانها، دموعها على خدّها، وإيده كانت عايزة تمسحها… بس ما قدرش.
قال بهدوء: غزل، أنا مش ضدك… أنا عايز أساعدك.
بصت له بنظرة كلها وجع وقالت: اللي بيساعدني ما يهددنيش برزقي يا بيه، اللي عايز يساعد، يسمع قبل ما يحكم.
وسابته ومشيت بخطوات تقيلة، وسابته واقف تايه، حاسس لأول مرة في حياته أن الفلوس والنفوذ ما نفعوش معا بولا حاجة. في اللحظة دي بس، رائد بدأ يحس إن اللي بينه وبين غزل مش مجرد خلاف، دي حرب بين اللي عاش طول عمره متحكم في كل حاجه ، واللي عمرها ما سمحت لحد يكسرها
عدّى كام يوم، وغزل ما بقتش زي الأول. بقت بتشتغل في صمت، ملامحها حزينة شوية، بس كل اللي يعدّي ياكل من عندها بيحس إن الفطير بقى فيه طعم وجع. أما رائد، فكان بيعدّي كل يوم من قدامها بالعربية، يوقف من بعيد، يبصّ عليها، وبعدين يكمل طريقه. بس النهارده، قرر ينزل.
وقف عند الكشك وقال بهدوء:
“صباح الخير يا غزل.”
ردّت وهي مكشّرة: “صباح الخير يا بيه… لو جاي تكمل كلامك عن المشروع، فمش فاضيه.” قال وهو بيحاول يخفف الجو:
> “جاي آكل فطير، هو أنا لازم أكون داخل في مشروع علشان أجي؟”
بصّت له لحظة، وبعدين ضحكت بخفة:
“ماشي يا بيه، بس الفطير غالي النهارده، الكلمه ب5 جنيه.”
ابتسم، وقال: “أغلى كلمة سمعتها النهارده.”
قعد على الكرسي البلاستيك الصغير، وفضل يتفرج عليها وهي بتحضر العجين.
ولأول مرة، لاحظ حركة إيديها وهي بتفرد الفطير بحنان غريب،
كأنها بتتعامل مع الحاجة دي كأنها إنسان مش عجين.
بعد شوية، شاف ست كبيرة طالعة من الحارة وبتنادي:
“غزل، يا بنتي، خدي بالك من نفسك، الجو ساقعة.”
غزل راحت بسرعة وجابتلها بطانية صغيرة، وقالت:
“ادخلي جوا يا أمي، الجو برد النهارده.”
رائد بصّلها باستغراب:”دي أمك؟”
غزل: “أيوه… تعبانة شوية، عندها مرض مزمن، ومينفعش تشتغل،فالكشك ده رزقنا إحنا الاتنين.”
سكت رائد، وصوته نزل واطي جدًا لما قال:كنت فاكرك بتعنّدي بس، بس واضح إنك بتحاربي علشان حد بتحبيه.”
قالت وهي بتبص في الأرض: “كل واحد فينا عنده حد بيخليه يكمّل، يا بيه.
أنا أمي… وإنت يمكن تلاقي اللي يخليك ترجع إنسان.”
الكلمة دي وجعته زي السهم.
بصّ لها، وكل اللي جواه اتقلب، مفيش غرور، مفيش كِبر… بس احترام، وإحساس غريب بيكبر جواه كل دقيقة.
مدّ لها الفلوس وقال:”خدي دي، واعملي حسابي كل يوم.”
قالت بابتسامة خفيفة: “اللي بياكل عندي ما بيدفعش تمن الأكل… بيدفع تمن نيّته.”
ضحك، وقال:طب اعتبريها نيّة صافية… من قلبي.
في اللحظة دي، غزل بصت له، وشافت في عينيه حاجة جديدة…
مش نظرة راجل متسلط، لكن نظرة حد اتوجّع قبل كده، ويمكن لسه مستني اللي يداوي وجعه.
الافتتاح الكبير للقرية السياحية كان قرب،والشغل ما بيقفش.
ورائد كان المفروض يركّز في كل التفاصيل…
بس دماغه في حتة تانية تمامًا، في بنت واقفة على ناصية صغيرة بتبيع فطير.
في يوم، قرر يعمل حاجة “كويسة” من وجهة نظره.
كلّم مدير العلاقات في الشركة وقال له: عايز أعمل مفاجأة للبنت اللي بتبيع فطير على الناصية
ابنيلها كشك جديد، نضيف، فيه كهربا ومية، وحطّوا اسمها عليه بخط كبير: فطير غزل الدمياطي.”
المدير ابتسم وقال:حاضر يا باشا، خطوة محترمة منك.
بس رائد ما كانش عارف إن الخطوة دي هتتفسَّر غلط جدًا.
بعد كام يوم، غزل وصلت الصبح لمكانها، ولقت الكشك بتاعها القديم اختفى، وفي مكانه مبنى جديد، لامع، عليه يفطة ضخمة.
اتجمدت مكانها، الناس حواليها فرحانة وبتقول: برافو يا غزل، خلاص بقى عندك محل رسمي.
لكن غزل كانت واقفة مش مصدّقة. إزاي كده؟مين سمح؟
فين الكشك بتاع أبوها اللي كان فيه ريحته وذكرياته؟
رائد جه وهو مبتسم، وقال لها:“إيه رأيك؟ عجبِك؟ كنت عايز أفرّحك قبل الافتتاح.”
غزل بصّت له بنظرة وجع وقالت بهدوء مرّ: إنت عملت كده من غير ما تسألني؟ هدّيت مكاني اللي تربّيت عليه، اللي كنت بشمّ فيه ريحة أبويا…وبدل ما تساعدني، مسحت تاريخه!”
اتلخبط وقال بسرعة: يا غزل، أنا كنت عايز أعمل حاجة كويسة! ده كشك أحسن، وشغلك هيكبر، قاطعت كلامه بصوت عالي قدام الناس: احسن لمين؟إنت فاكر الفقر عيب؟ ولا البساطة محتاجة ترميم؟اللي بيحب الخير بيسأل قبل ما يدي!”
الشارع كله سكت. رائد حسّ أن الدم نشف في عروقه .
لأول مرة في حياته حد يوبّخه بالشكل ده…وأكتر حاجة وجعته إنها كانت عندها حق.
قال بهدوء وهو بيحاول يخبّي كسوفه:“أنا آسف يا غزل… والله ما كنت أقصد أزعلك.”
ردّت وهي بتكتم دموعها:“النية الطيبة من غير فهم… بتوجع أكتر من الغلط، يا بيه.”
وسابته ومشيت، وسيباه واقف قدام الكشك اللامع اللي فجأة بقى شكله فاضي جدًا.
في اللحظة دي، رائد حسّ إن كل اللي بناه في حياته، القرى، الفلوس، النفوذ ، ما لهوش أي معنى لو ما عرفش يرضي قلبها البسيط.
بعد الموقف اللي حصل، غزل اختفت كذا يوم.
الكشك الجديد فاضي، والمكان من غيرها بقى كأنه ناقص روح.
رائد كان بيعدّي بالعربية كل يوم، يبصّ على الناصية، يوقف لحظة، وبعدين يكمل ساكت. جواه وجع غريب، زي الندم اللي بيقرص من جوه الص*در.
وفي يوم بالليل، وهو راجع من موقع القرية،
شاف زحمة عند الحارة اللي غزل ساكنة فيها.
نزل بسرعة، قلبه بيخبط في ص*دره.
سأل أول واحد قابله:
“في إيه يا عم؟”
الراجل قال: أم البنت اللي بتبيع فطير تعبانة أوي… نقلوها المستشفى.
من غير ما يفكر، رائد ركب عربيته وراح على المستشفى اللي في آخر الشارع. دخل جوه، ولما شاف غزل قاعدة على كرسي حديد،
وشّها شاحب وعيونها مجهدة، حسّ إن الدنيا وقفت لحظة.
قال بهدوء وهو بيقرب: “غزل…
رفعت عينيها، أول ما شافته، دموعها نزلت غصب عنها.
> “أمي حالتها وحشة يا بيه… الدكتور قال محتاجة عملية عاجلة، وأنا ممعيش تمنها.”
من غير أي كلام، رائد مدّ إيده وطلّع شيك من جيبه.
=خدي ده، واعملي كل اللازم.”
غزل بعدت إيده وقالت بعصبية: مش عايزة فلوسك! أنا مش شحّاته
قال بصوت فيه رجاء لأول مرة:”غزل، اسمعيني… المرة دي مش صدقة ولا معروف.
اعتبريه دين… أو حتى عقاب على اللي عملته فيكي قبل كده.
بس بالله عليكي، خدي الفلوس.”
الرجالة مشيوا، وهي فضلت واقفة مكانها، دموعها على خدّها، وإيده كانت عايزة تمسحها… بس ما قدرش.
قال بهدوء: غزل، أنا مش ضدك… أنا عايز أساعدك.
Leonardo Di Caprio
00:00
Previous
Pause
Next
00:19 / 01:26
Mute
Settings
Fullscreen
Copy video url
Play / Pause
Mute / Unmute
Report a problem
Language
Share
Vidverto Player
بصت له بنظرة كلها وجع وقالت: اللي بيساعدني ما يهددنيش برزقي يا بيه، اللي عايز يساعد، يسمع قبل ما يحكم.
وسابته ومشيت بخطوات تقيلة، وسابته واقف تايه، حاسس لأول مرة في حياته أن الفلوس والنفوذ ما نفعوش معا بولا حاجة. في اللحظة دي بس، رائد بدأ يحس إن اللي بينه وبين غزل مش مجرد خلاف، دي حرب بين اللي عاش طول عمره متحكم في كل حاجه ، واللي عمرها ما سمحت لحد يكسرها
عدّى كام يوم، وغزل ما بقتش زي الأول. بقت بتشتغل في صمت، ملامحها حزينة شوية، بس كل اللي يعدّي ياكل من عندها بيحس إن الفطير بقى فيه طعم وجع. أما رائد، فكان بيعدّي كل يوم من قدامها بالعربية، يوقف من بعيد، يبصّ عليها، وبعدين يكمل طريقه. بس النهارده، قرر ينزل.
وقف عند الكشك وقال بهدوء:
“صباح الخير يا غزل.”
ردّت وهي مكشّرة: “صباح الخير يا بيه… لو جاي تكمل كلامك عن المشروع، فمش فاضيه.” قال وهو بيحاول يخفف الجو:
> “جاي آكل فطير، هو أنا لازم أكون داخل في مشروع علشان أجي؟”
بصّت له لحظة، وبعدين ضحكت بخفة:
“ماشي يا بيه، بس الفطير غالي النهارده، الكلمه ب5 جنيه.”
ابتسم، وقال: “أغلى كلمة سمعتها النهارده.”
قعد على الكرسي البلاستيك الصغير، وفضل يتفرج عليها وهي بتحضر العجين.
ولأول مرة، لاحظ حركة إيديها وهي بتفرد الفطير بحنان غريب،
كأنها بتتعامل مع الحاجة دي كأنها إنسان مش عجين.
بعد شوية، شاف ست كبيرة طالعة من الحارة وبتنادي:
“غزل، يا بنتي، خدي بالك من نفسك، الجو ساقعة.”
غزل راحت بسرعة وجابتلها بطانية صغيرة، وقالت:
“ادخلي جوا يا أمي، الجو برد النهارده.”
رائد بصّلها باستغراب:”دي أمك؟”
غزل: “أيوه… تعبانة شوية، عندها مرض مزمن، ومينفعش تشتغل،فالكشك ده رزقنا إحنا الاتنين.”
سكت رائد، وصوته نزل واطي جدًا لما قال:كنت فاكرك بتعنّدي بس، بس واضح إنك بتحاربي علشان حد بتحبيه.”
قالت وهي بتبص في الأرض: “كل واحد فينا عنده حد بيخليه يكمّل، يا بيه.
أنا أمي… وإنت يمكن تلاقي اللي يخليك ترجع إنسان.”
الكلمة دي وجعته زي السهم.
بصّ لها، وكل اللي جواه اتقلب، مفيش غرور، مفيش كِبر… بس احترام، وإحساس غريب بيكبر جواه كل دقيقة.
مدّ لها الفلوس وقال:”خدي دي، واعملي حسابي كل يوم.”
قالت بابتسامة خفيفة: “اللي بياكل عندي ما بيدفعش تمن الأكل… بيدفع تمن نيّته.”
ضحك، وقال:طب اعتبريها نيّة صافية… من قلبي.
في اللحظة دي، غزل بصت له، وشافت في عينيه حاجة جديدة…
مش نظرة راجل متسلط، لكن نظرة حد اتوجّع قبل كده، ويمكن لسه مستني اللي يداوي وجعه.
الافتتاح الكبير للقرية السياحية كان قرب،والشغل ما بيقفش.
ورائد كان المفروض يركّز في كل التفاصيل…
بس دماغه في حتة تانية تمامًا، في بنت واقفة على ناصية صغيرة بتبيع فطير.
في يوم، قرر يعمل حاجة “كويسة” من وجهة نظره.
كلّم مدير العلاقات في الشركة وقال له: عايز أعمل مفاجأة للبنت اللي بتبيع فطير على الناصية
ابنيلها كشك جديد، نضيف، فيه كهربا ومية، وحطّوا اسمها عليه بخط كبير: فطير غزل الدمياطي.”
المدير ابتسم وقال:حاضر يا باشا، خطوة محترمة منك.
بس رائد ما كانش عارف إن الخطوة دي هتتفسَّر غلط جدًا.
بعد كام يوم، غزل وصلت الصبح لمكانها، ولقت الكشك بتاعها القديم اختفى، وفي مكانه مبنى جديد، لامع، عليه يفطة ضخمة.
اتجمدت مكانها، الناس حواليها فرحانة وبتقول: برافو يا غزل، خلاص بقى عندك محل رسمي.
لكن غزل كانت واقفة مش مصدّقة. إزاي كده؟مين سمح؟
فين الكشك بتاع أبوها اللي كان فيه ريحته وذكرياته؟
رائد جه وهو مبتسم، وقال لها:“إيه رأيك؟ عجبِك؟ كنت عايز أفرّحك قبل الافتتاح.”
غزل بصّت له بنظرة وجع وقالت بهدوء مرّ: إنت عملت كده من غير ما تسألني؟ هدّيت مكاني اللي تربّيت عليه، اللي كنت بشمّ فيه ريحة أبويا…وبدل ما تساعدني، مسحت تاريخه!”
اتلخبط وقال بسرعة: يا غزل، أنا كنت عايز أعمل حاجة كويسة! ده كشك أحسن، وشغلك هيكبر، قاطعت كلامه بصوت عالي قدام الناس: احسن لمين؟إنت فاكر الفقر عيب؟ ولا البساطة محتاجة ترميم؟اللي بيحب الخير بيسأل قبل ما يدي!”
الشارع كله سكت. رائد حسّ أن الدم نشف في عروقه .
لأول مرة في حياته حد يوبّخه بالشكل ده…وأكتر حاجة وجعته إنها كانت عندها حق.
قال بهدوء وهو بيحاول يخبّي كسوفه:“أنا آسف يا غزل… والله ما كنت أقصد أزعلك.”
ردّت وهي بتكتم دموعها:“النية الطيبة من غير فهم… بتوجع أكتر من الغلط، يا بيه.”
وسابته ومشيت، وسيباه واقف قدام الكشك اللامع اللي فجأة بقى شكله فاضي جدًا.
في اللحظة دي، رائد حسّ إن كل اللي بناه في حياته، القرى، الفلوس، النفوذ ، ما لهوش أي معنى لو ما عرفش يرضي قلبها البسيط.
بعد الموقف اللي حصل، غزل اختفت كذا يوم.
الكشك الجديد فاضي، والمكان من غيرها بقى كأنه ناقص روح.
رائد كان بيعدّي بالعربية كل يوم، يبصّ على الناصية، يوقف لحظة، وبعدين يكمل ساكت. جواه وجع غريب، زي الندم اللي بيقرص من جوه الص*در.
وفي يوم بالليل، وهو راجع من موقع القرية،
شاف زحمة عند الحارة اللي غزل ساكنة فيها.
نزل بسرعة، قلبه بيخبط في ص*دره.
سأل أول واحد قابله:
“في إيه يا عم؟”
الراجل قال: أم البنت اللي بتبيع فطير تعبانة أوي… نقلوها المستشفى.
من غير ما يفكر، رائد ركب عربيته وراح على المستشفى اللي في آخر الشارع. دخل جوه، ولما شاف غزل قاعدة على كرسي حديد،
وشّها شاحب وعيونها مجهدة، حسّ إن الدنيا وقفت لحظة.
قال بهدوء وهو بيقرب: “غزل…
رفعت عينيها، أول ما شافته، دموعها نزلت غصب عنها.
> “أمي حالتها وحشة يا بيه… الدكتور قال محتاجة عملية عاجلة، وأنا ممعيش تمنها.”
من غير أي كلام، رائد مدّ إيده وطلّع شيك من جيبه.
=خدي ده، واعملي كل اللازم.”
غزل بعدت إيده وقالت بعصبية: مش عايزة فلوسك! أنا مش شحّاته
قال بصوت فيه رجاء لأول مرة:”غزل، اسمعيني… المرة دي مش صدقة ولا معروف.
اعتبريه دين… أو حتى عقاب على اللي عملته فيكي قبل كده.
بس بالله عليكي، خدي الفلوس.”
بصّت له لحظة طويلة، وبعدين دموعها غلبتها وقالت:
“أنا مش عايزة منك حاجة… أنا بس خايفة أخسرها.”
ردّ عليها وهو ماسك إيديها بخفة: “مش هتخسريها، أنا هكون معاكي في كل حاجة.”
وبالفعل، فضل معاها لحد ما العملية خلصت، وكان واقف برّه أوضة العمليات، ولأول مرة في حياته يدّعي من قلبه.
بعد ساعات، الدكتور خرج وقال:
> “الحمد لله، العملية نجحت.”
غزل بصّت له، وشافت في عينيه التعب والقلق الصادق،
فهمت إن الراجل اللي قدامها اتغيّر، وإن تحت الصرامة دي في إنسان كان محتاج فرصة يطلّع الخير اللي فيه.
قال لها وهو بيتنفس براحة:
> “شايفه؟ ربنا كبير… زي ما إنتِ دايمًا بتقولي.”
ابتسمت وقالت بخفّة دمها المعتادة: “أهو أخيرًا سمعت كلامي يا بيه.” ضحك، بس جواه كان في حاجة كبيرة بتتغيّر فعلاً
القسوة القديمة بتدوب، والقلب اللي كان حجر… بدأ يسمع صوته لأول مرة.
عدّى أسبوع بعد العملية، وأم غزل بدأت تتحسّن،
ورائد بقى بيعدّي عليهم كل يوم بعد الشغل.
مرة يجيب دوا، ومرة أكل، ومرة بس يقعد ساكت يسمعهم بيضحكوا. غزل بقت مش عارفة تصنّف إحساسها ناحيته.
هو راجل غريب عنها…بس حضوره مريح، وصوته لما يقول “عاملة إيه يا غزل؟” بيهديها.
في يوم، وهي قاعدة بتوضّب في الكشك الجديد،
قرب منها وقال: الافتتاح بعد بكرة… وكنت عايزك تحضري.
ردّت بتردد: “أنا؟ أروح فين وسط الناس دي؟ أنا مجرد بنت بتبيع فطير.”
ضحك وقال: “بنت بتبيع فطير، بس علمتني يعني إيه كرامة وإنسانية، يبقى لازم تكوني هناك.”
ابتسمت، بس قبل ما ترد، ظهر شاب من آخر الشارع،
صوته عالي وهو بينادي: “غزل! إيه ده؟ بجد إنتِ؟!”
اتجمدت، قلبها وقع في رجليها. رائد بصّ له باستغراب.
الولد قرب، وشكله من نفس سنّها تقريبًا،
لبسه بسيط، بس في عينيه لهفة مش قليلة.
قال رائد بنبرة حادة:
> “مين ده يا غزل؟”
الولد مدّ إيده وقال بابتسامة متوترة:
> “أنا سليم… كنت جارها قبل ما تسافر دمياط.
رجعت أدور عليها أول ما سمعت إنها هنا.”
غزل وقفت متوترة وقالت بسرعة:
> “سليم، إحنا ممكن نتكلم بعدين، أنا مشغولة.”
رائد حسّ بنا*ر بتولع جواه، مش فاهم سببها.
ابتسم ابتسامة باهتة وقال:
> “واضح إن ليك ماضي كبير يا آنسة غزل.”
غزل رفعت عينيها فيه وقالت: “زي ما لحضرتك ماضيك، ليا أنا كمان…بس أنا عمري ما استخدمته ضدك.”
الكلمة وجعته. سكت لحظة، وبعدين قال بهدوء بارد:
> “تمام… أنا رايح القرية، شوفي أمك وارتاحي.”
ومشي، بس جواه غليان، مش عارف إذا بيغير… ولا خايف يخسرها.
وفي نفس الليلة، غزل قاعدة في شباك بيتها، شايفة البحر البعيد، ودموعها نازلة.
مش عارفة تزعل من رائد، ولا من القدر اللي بيعيد ذكرياتها.
أما هو، فكان قاعد في عربيته عند البحر برضه،
بيفكّر بصوت واطي:”أنا إيه اللي حصلي؟
من إمتى بقيت بخاف من غياب حد؟
ولا يمكن… أنا وقعت فعلاً؟”
عدّى يومين، ورائد ما ظهرش. لا عدى على الكشك، ولا سأل، ولا حتى بعث حد من طرفه.
غزل كانت بتحاول تبان قوية، بس جواها قلق مش طبيعي.
كل شوية تبص ناحية الطريق، كأنها مستنية العربية السودة تقف.
وفي ليلة، كانت راجعه من المستشفى بعد ما طمنت على أمها،
لقيته واقف مستني عند الناصية.
وشه مجهد، بس عينيه فيها نفس اللمعة اللي كانت بتخوفها وتطمنها في نفس الوقت.
قال وهو بيقرب منها: “ليه ما كلمتينيش من يومين؟”
ردّت ببرود مصطنع=”وليه أكلمك؟ إحنا مش متعودين نحكي لبعض.”
قال بخطوة قريبة أكتر: “متعودين أو لأ، أنا كنت محتاج أسمع صوتك.”
غزل بصّت له بنظرة فيها عتاب: طب ما جيتش ليه؟ كنت فاكرة إنك خلاص زهقت
رائد سكت لحظة، وبعدين قال بهدوء غريب: أنا كنت خايف
غزل اتفاجئت: خايف من إيه؟
قال وهو بيبصّها في عينيها: خايف من نفسي، من اللي بيحصل جوايا. عمري ما كنت بسيب حد يدخل حياتي،
لكن إنتِ دخلت من غير استئذان.
غزل حاولت تبص بعيد، بس كلامه شدّها.
“أنا ما طلبتش منك حاجة يا بيه. ابتسم :عارف… ويمكن عشان كده قلبي اختارك. إنتِ الوحيدة اللي ما حاولتيش تبهري ولا تتجمّلي. ضحكتك حقيقية، ودموعك صادقة، وأنا… نسيت أنا كنت مين وأنا حواليكي.
دموعها نزلت من غير ما تحس، وقالت: بس إحنا من عالمين مختلفين يا رائد.
إنت صاحب قرية سياحية، وأنا بنت بتبيع فطير على ناصية. قرب منها خطوة تانية وبثقه: العالمين دول ممكن يقربوا… لو الاتنين عايزين، أنا مش شايفك أقل، أنا شايفك أقوى.
وقبل ما تكمل، ظهر سليم فجأة من آخر الشارع، صوته عالي: غزل عاوزك لحظه
رائد بصّ له بنظرة نا*رية، وغزل اتلخبطت وقالت بسرعة:
سليم، مش وقته دلوقتي، بعدين
رائد قال بحدة:
> “الوقت وقته جدًا… عايز إيه منها بالضبط؟”
سليم اتنرفز وقال: أنا كنت بحبها، ولسه بحبها! وجيت أرجعها!
الشارع كله سكت،وغزل اتصدمت، ورائد حسّ كأن قلبه اتسحب منه.
بصّ لرائد وقال له بثبات: دي مش لعبة يا بيه… دي مشاعري.
رائد شدّ نفس طويل وقال بصوت هادي لكنه موجوع: تمام… يبقى خليها هي تختار.
بصّت غزل ليهم ودموعها كانت بتلمع تحت نور الشارع،
وقالت بصوت مبحوح: “أنا محتاجة وقت.”
ومشيت، وسابتهم الاتنين واقفين في نفس المكان،
بس كل واحد فيهم حاسس إن قلبه وقع منه جزء مش هيعرف يرجّعه بسهولة.
سليم، مش وقته دلوقتي، بعدين
رائد قال بحدة:
> “الوقت وقته جدًا… عايز إيه منها بالضبط؟”
سليم اتنرفز وقال: أنا كنت بحبها، ولسه بحبها! وجيت أرجعها!
الشارع كله سكت،وغزل اتصدمت، ورائد حسّ كأن قلبه اتسحب منه.
بصّ لرائد وقال له بثبات: دي مش لعبة يا بيه… دي مشاعري.
رائد شدّ نفس طويل وقال بصوت هادي لكنه موجوع: تمام… يبقى خليها هي تختار.
بصّت غزل ليهم ودموعها كانت بتلمع تحت نور الشارع،
وقالت بصوت مبحوح: “أنا محتاجة وقت.”
ومشيت، وسابتهم الاتنين واقفين في نفس المكان،
بس كل واحد فيهم حاسس إن قلبه وقع منه جزء مش هيعرف يرجّعه بسهولة.
—
الليلة اللي بعد المواجهة ، الدنيا كانت ساكتة زيادة عن اللزوم.
غزل قاعدة في أوضتها، وأمها نايمة، والبحر صوته جاي من بعيد كأنه بيحكي معاها.
كانت عينيها على السقف، بس عقلها مش معاها خالص.
كل شوية يجي وش رائد في بالها…
ضحكته، خوفه، كلمته اللي قالها: “إنتِ دخلتِ حياتي من غير استئذان.” وبعدين صورة سليم وهو بيقول: “لسه بحبها.”
قلبها بقى ميدان حرب، بين اللي كان، واللي ممكن يكون.
تاني يوم الصبح، رائد جالها عند الكشك.
وشه باين عليه ما نامش، والهالات تحت عينيه واضحة.
قال بهدوء: غزل، أنا مش جاي أضغط عليكي بس عايز أقول كلمتين وبس.
سكتت، مستنياه.
قال وهو بيحاول يثبّت صوته: انا كنت فاكر إني قوي،
بس لقيت نفسي ضعيف قدامك. مش عايز أملكك، ولا أغيّر حياتك..أنا بس عايز أكون معاكي، نواجه الدنيا سوا.”
الكلما*ت وقعت على قلبها زي المطر، بس قبل ما ترد، سليم وصل،
واقف وراها بهدوء:”غزل، أنا مش جاي أفرض نفسي…
بس مش قادر أسيبك تضيّعي حياتك وسط ناس مش من عالمك. غزل بصّت ليهم ، وشافت قدامها طريقين:
واحد مريح، مألوف، بسيط زيها — سليم.
والتاني صعب، غامض، بس بيدقّ قلبها كل ما تشوفه رائد.
تنفّست بعمق وقالت بهدوء:
“أنا محتاجة أختار بعقلي المرة دي، مش بقلبي.
يا رائد، وجودك غيّر فيّ كتير، بس العالم اللي إنت فيه مش مكاني. وأنا مش هينفع أعيش في ظل حد حتى لو بيحبني.”
سكت رائد، الكلمة وجعته كأنها طلقة،
بس حاول يخبيها بابتسامة خفيفة وقال: “يعني خلاص؟ ده قرارك؟”
ردّت بصوت واطي:أيوه، بس مش كره… هو خوف.
قال وهو بيهزّ راسه: خوف من إيه يا غزل؟
قالت: من إني أضيّع نفسي وأنا بحاول أوصل ليك.
اتنهد بوجع: طب لو قلتلك إني مستعد أنزل لعالمك بدل ما أرفعك لعالمي؟
دموعها نزلت وهمست بالم: مش هو ده الحل يا رائد، أنا عايزة كل واحد يفضل زي ما هو، بس من غير ما نكسر بعض.
وسابت الكشك ومشيت ببطء، وسيباه واقف،
والبحر وراه بيغرق في غروب أحمر كأنه بيودّع يوم طويل من الوجع، بيودع حلم جميل بلحظه اتهد
رائد وقف ساكت، عينه على ضهرها وهي بتبعد،
همس بصوت مبحوح: حتى وانتي ماشية… بتس*رقي النور من قلبي يا غزل
عدّى تلات شهور. غزل مكملّة شغلها، بس بقت مختلفة.
ضحكتها مش زي الأول، فيها كسرة صغيرة محدش بياخد باله منها. الكشك شغال، الناس بتحبها، بس كل ما ييجي نسيم بحر دمياط، قلبها يوجعها شوية.
أما رائد، فبعد ما خلّص افتتاح القرية، سافر القاهرة.
حاول يدف*ن نفسه في الشغل، بس كل مرة يوقف في مكتب فخم أو يجتمع مع مستثمر، يحسّ إن كل حاجة فاضية.
اللي كان بيملأه اتس*رق، وساب مكانه فراغ كبير على شكل بنت بسيطة ريحتها دمياطي سخن. وفي يوم، قرر يرجع دمياط من غير ما يقول لحد. كان محتاج يشوف المكان اللي بدأ منه التغيير.
وصل آخر الليل، الشارع هادي،
بس الكشك منوّر، وريحة الفطير طالعة زي ما كان دايمًا.
وقف بعيد شوية، بيبص، ولقى غزل قاعدة بتضحك مع بنت صغيرة بتساعدها.
قرب بخطوات بطيئة. غزل أول ما شافته، اتجمدت مكانها.
البنت الصغيرة سألتها: مين ده يا خالتي؟
غزل ردّت وهي بتحاول تمسك نفسها: ده… زبون قديم.
ضحك بوجع= “زبون!يا سلام
ده أنا لسه فاكر أول مرة دقت فطيرك، كانت ازاي
ضحكت غصب عنها وهمست بعتاب= لسه فاكر؟!
ردّ وهو بيبصّها بعينين دافيتين: في حاجات ما بتتنساش يا غزل.
قعد على نفس الكرسي القديم، وهي جابتله فطيرة بإيديها،
ولما حطّتها قدامه، قال بهدوء: عرفتِ إن القرية كبرت وبقت مشهورة؟ بس ناقصها حاجة.
سألته بخفة دمها القديمة: “إيه بقى يا سي رائد؟ دي قرية كاملة!”
قال مبتسم: ناقصها روح… ناقصها غزل.
بصّت له، والضحكة اختلطت بدمعة، أنا خلاص لقيت مكاني هنا يا بيه، حتى لو قلبي لسه معاك.
سكت لحظة، وبعدين اتكلم بهدوء تام:أنا ما رجعتش علشان القرية، رجعت علشان أكمّل اللي ما خلصناهوش.
قلبها دقّ جامد، بس قبل ما ترد، سمعت صوت أمها من بعيد بتنادي: “غزل يا بنتي، الجو برد، يالا تعالي ادخلي جوه!
ابتسم رائد: لسه بتحافي من البرد زي زمان.”
ردّت بخجل: اللي اتلسع من البرد، ما بينامش من غير بطّانيته.
ضحك وقال بوقاحه لاول مره =طب اسمحيلي أكون البطانية دي… المرة دي مش هسيبك لوحدك.
غزل بصّت له بصدمه لحظة طويلة، وفي عينيها مزيج من الخوف، الأمان، والاشتياق.
وبعدين قالت بهدوء: المرة دي يا رائد… لو رجعت، متغيبش تاني وعد!
قال وهو بيبص في عينيها بثبات على لهفه، وشوق= وعد… يا ست البنات المرة دي هرجع على طول.
وابتسمت، لأول مرة من شهور، ابتسامة حقيقية… زي شمس طلعت بعد شتا طويل.
والبحر وراهم كان هادي من غير موج ، زي هدوء قلبهم اخيرا بعد الفراق كأنه هو كمان ارتاح بعد ما الدائرة اتقفلت على حب…
حب اتولد من ناصية، واتربّى على كرامة، واتكمّل على صدق.
عدّت سنة على الليلة اللي رجع فيها رائد، اتغيّر،
القرية السياحية كبرت وبقت مشهورة في كل حتة، بس المرة دي مش بس عشان تصميمها أو فخامتها ، كانت مميزة عشان كشك صغير جوّاها، عليه يفطة مكتوب فيها بخط بسيط:
“فطير غزل بنكهة البيت والحنية.”
الناس كانت بتيجي مخصوص عشان تاكل من إيدها،
—
الليلة اللي بعد المواجهة ، الدنيا كانت ساكتة زيادة عن اللزوم.
غزل قاعدة في أوضتها، وأمها نايمة، والبحر صوته جاي من بعيد كأنه بيحكي معاها.
كانت عينيها على السقف، بس عقلها مش معاها خالص.
كل شوية يجي وش رائد في بالها…
ضحكته، خوفه، كلمته اللي قالها: “إنتِ دخلتِ حياتي من غير استئذان.” وبعدين صورة سليم وهو بيقول: “لسه بحبها.”
قلبها بقى ميدان حرب، بين اللي كان، واللي ممكن يكون.
تاني يوم الصبح، رائد جالها عند الكشك.
وشه باين عليه ما نامش، والهالات تحت عينيه واضحة.
قال بهدوء: غزل، أنا مش جاي أضغط عليكي بس عايز أقول كلمتين وبس.
سكتت، مستنياه.
قال وهو بيحاول يثبّت صوته: انا كنت فاكر إني قوي،
بس لقيت نفسي ضعيف قدامك. مش عايز أملكك، ولا أغيّر حياتك..أنا بس عايز أكون معاكي، نواجه الدنيا سوا.”
الكلما*ت وقعت على قلبها زي المطر، بس قبل ما ترد، سليم وصل،
واقف وراها بهدوء:”غزل، أنا مش جاي أفرض نفسي…
بس مش قادر أسيبك تضيّعي حياتك وسط ناس مش من عالمك. غزل بصّت ليهم ، وشافت قدامها طريقين:
واحد مريح، مألوف، بسيط زيها — سليم.
والتاني صعب، غامض، بس بيدقّ قلبها كل ما تشوفه رائد.
تنفّست بعمق وقالت بهدوء:
“أنا محتاجة أختار بعقلي المرة دي، مش بقلبي.
يا رائد، وجودك غيّر فيّ كتير، بس العالم اللي إنت فيه مش مكاني. وأنا مش هينفع أعيش في ظل حد حتى لو بيحبني.”
سكت رائد، الكلمة وجعته كأنها طلقة،
بس حاول يخبيها بابتسامة خفيفة وقال: “يعني خلاص؟ ده قرارك؟”
ردّت بصوت واطي:أيوه، بس مش كره… هو خوف.
قال وهو بيهزّ راسه: خوف من إيه يا غزل؟
قالت: من إني أضيّع نفسي وأنا بحاول أوصل ليك.
اتنهد بوجع: طب لو قلتلك إني مستعد أنزل لعالمك بدل ما أرفعك لعالمي؟
دموعها نزلت وهمست بالم: مش هو ده الحل يا رائد، أنا عايزة كل واحد يفضل زي ما هو، بس من غير ما نكسر بعض.
وسابت الكشك ومشيت ببطء، وسيباه واقف،
والبحر وراه بيغرق في غروب أحمر كأنه بيودّع يوم طويل من الوجع، بيودع حلم جميل بلحظه اتهد
رائد وقف ساكت، عينه على ضهرها وهي بتبعد،
همس بصوت مبحوح: حتى وانتي ماشية… بتس*رقي النور من قلبي يا غزل
عدّى تلات شهور. غزل مكملّة شغلها، بس بقت مختلفة.
ضحكتها مش زي الأول، فيها كسرة صغيرة محدش بياخد باله منها. الكشك شغال، الناس بتحبها، بس كل ما ييجي نسيم بحر دمياط، قلبها يوجعها شوية.
أما رائد، فبعد ما خلّص افتتاح القرية، سافر القاهرة.
حاول يدف*ن نفسه في الشغل، بس كل مرة يوقف في مكتب فخم أو يجتمع مع مستثمر، يحسّ إن كل حاجة فاضية.
اللي كان بيملأه اتس*رق، وساب مكانه فراغ كبير على شكل بنت بسيطة ريحتها دمياطي سخن. وفي يوم، قرر يرجع دمياط من غير ما يقول لحد. كان محتاج يشوف المكان اللي بدأ منه التغيير.
وصل آخر الليل، الشارع هادي،
بس الكشك منوّر، وريحة الفطير طالعة زي ما كان دايمًا.
وقف بعيد شوية، بيبص، ولقى غزل قاعدة بتضحك مع بنت صغيرة بتساعدها.
قرب بخطوات بطيئة. غزل أول ما شافته، اتجمدت مكانها.
البنت الصغيرة سألتها: مين ده يا خالتي؟
غزل ردّت وهي بتحاول تمسك نفسها: ده… زبون قديم.
ضحك بوجع= “زبون!يا سلام
ده أنا لسه فاكر أول مرة دقت فطيرك، كانت ازاي
ضحكت غصب عنها وهمست بعتاب= لسه فاكر؟!
ردّ وهو بيبصّها بعينين دافيتين: في حاجات ما بتتنساش يا غزل.
قعد على نفس الكرسي القديم، وهي جابتله فطيرة بإيديها،
ولما حطّتها قدامه، قال بهدوء: عرفتِ إن القرية كبرت وبقت مشهورة؟ بس ناقصها حاجة.
سألته بخفة دمها القديمة: “إيه بقى يا سي رائد؟ دي قرية كاملة!”
قال مبتسم: ناقصها روح… ناقصها غزل.
بصّت له، والضحكة اختلطت بدمعة، أنا خلاص لقيت مكاني هنا يا بيه، حتى لو قلبي لسه معاك.
سكت لحظة، وبعدين اتكلم بهدوء تام:أنا ما رجعتش علشان القرية، رجعت علشان أكمّل اللي ما خلصناهوش.
قلبها دقّ جامد، بس قبل ما ترد، سمعت صوت أمها من بعيد بتنادي: “غزل يا بنتي، الجو برد، يالا تعالي ادخلي جوه!
ابتسم رائد: لسه بتحافي من البرد زي زمان.”
ردّت بخجل: اللي اتلسع من البرد، ما بينامش من غير بطّانيته.
ضحك وقال بوقاحه لاول مره =طب اسمحيلي أكون البطانية دي… المرة دي مش هسيبك لوحدك.
غزل بصّت له بصدمه لحظة طويلة، وفي عينيها مزيج من الخوف، الأمان، والاشتياق.
وبعدين قالت بهدوء: المرة دي يا رائد… لو رجعت، متغيبش تاني وعد!
قال وهو بيبص في عينيها بثبات على لهفه، وشوق= وعد… يا ست البنات المرة دي هرجع على طول.
وابتسمت، لأول مرة من شهور، ابتسامة حقيقية… زي شمس طلعت بعد شتا طويل.
والبحر وراهم كان هادي من غير موج ، زي هدوء قلبهم اخيرا بعد الفراق كأنه هو كمان ارتاح بعد ما الدائرة اتقفلت على حب…
حب اتولد من ناصية، واتربّى على كرامة، واتكمّل على صدق.
عدّت سنة على الليلة اللي رجع فيها رائد، اتغيّر،
القرية السياحية كبرت وبقت مشهورة في كل حتة، بس المرة دي مش بس عشان تصميمها أو فخامتها ، كانت مميزة عشان كشك صغير جوّاها، عليه يفطة مكتوب فيها بخط بسيط:
“فطير غزل بنكهة البيت والحنية.”
الناس كانت بتيجي مخصوص عشان تاكل من إيدها،
وأغلبهم ما يعرفوش إن صاحبة الكشك دي، مراته اللي اتولد من جديد على أيدها.. هي “غزل” حبيبة صاحب القرية. رائد وغزل بقوا بيكملوا بعض بطريقة غريبة. هو علمها إدارة وشغل واستثمار،
وهي علمته الحنية والرضا. هو كان بيشيل عنها الهم، وهي كانت بتشيل عنه الوحدة.
في يوم ربيع جميل بعد ٤ سنين عدوا بحلوهم ومرهم
الشمس ناعمة، والهواء فيه ريحة فطير وسكر بودرة،
رائد كان قاعد على كرسي خشب قدام الكشك، بيشرب شاي بالنعناع وغزل قاعدة جنبه. قال وهو بيبصّلها بابتسامة دافية:
عارفة يا غزل؟
أنا كنت فاكر السعادة في الفلوس والمشاريع، بس اكتشفت إنها في حاجة بسيطة جدًا…”
سألته بخفة دمها المعتادة: ايه هي بقى يا سي رائد؟
ردّ وهو بيبصّها بحب: في بنت من دمياط… كانت بتبيع فطير،
بس قدرت تبيعلي قلبي معاهم.
ضحكت بخفه، وهمست: وما رجّعتوش؟
ضحك معاها ورد بنفس نبره العش*ق: مش ناوي أرجعه.
وفجأة، دخلت بنت صغيرة بتجري ناحية غزل، بتضحك وبتقول:
> “مامااااا، شوفيني عملت فطيرة زيك!
رائد ضحك وهو شايف الصغيرة، شعرها منكوش من العجين،
وغزل خدت منها الفطيرة الصغيرة وقالت: دي أحلى فطيرة في الدنيا.
البنت حض*نتها، ورائد بصّ للمشهد بابتسامة رضا حقيقية.
الدنيا هديت، والبحر بقى صافي، وكل حاجة كانت بتقول إن الحلم الصعب… بس اتحقّق أخيرًا.
غزل بصّت له وقالت وهي تمسح ال دقيق من على خدها: شايف يا رائد حتى الفطير اللي كنا بنبيعه على ناصية، بقى جزء من حياة الناس… ومن حبنا.”
قال وهو بيقرب منها وياخدها في حض*نه وأنا لو رجع بيا الزمن،
كنت هختارك تاني… من أول فطيرة.
=الحب الحقيقي مش دايمًا بيبدأ في الأماكن الكبيرة،
لكن ممكن يولد على ناصيه شارع عادي جدا
=تمت إلى كل قلب اتعلّم إن الكرامة مش ضدّ الحب،
وإن البساطة مش ضعف… وإن أوقات كتير الحنية بتغلب الغُرور.إلى كل بنت زي غزل، ضحكتها من قلبها، ودموعها صادقة، بس عمرها ما سمحت لحد يقلّل منها وإلى كل راجل زي رائد، افتكر متأخر إن القوة الحقيقية مش في السيطرة…لكن في الاعتراف باللي بيحسّه. دي قصة عن اتنين…مفيش حاجة جمعتهم غير الصدفة، ولا حاجة خلتهم يكملوا غير الحب اللي عرف قيمته متأخر.