في ليله زفافي

في ليلة زفافي عندما رأيت ذلك الشيء عند زوجي ارتجفت وفهمت لماذا منحتني عائلته فيلا على ضفاف البحيرة بقيمة مليون دولار تقريبا لأتزوج أنا الفتاة الفقيرة اسمي ليلي عمري 26 عاما نشأت في عائلة فقيرة في غرب تكساس المشمس العاصف. مات أبي مبكرا وأصاب المرض أمي فاضطررت لترك المدرسة في الصف العاشر لأعمل في أي شيء يعيلنا. وبعد سنوات طويلة من الكفاح حصلت أخيرا على وظيفة خادمة مقيمة لدى واحدة من أغنى عائلات سان فرانسيسكو عائلة ويتيمور في منطقة باسيفيك هايتس. زوجي مايكل ويتيمور هو الابن الوحيد لتلك العائلة. وسيم متعلم هادئ لكن دائما ما يحيط به جدار خفي من البرود والمسافة.
عملت في بيتهم قرابة ثلاث سنوات تعودت فيها على الانحناء بصمت دون أن أتخيل يوما أنني قد أنتمي إلى عالمهم. لكن في يوم ما استدعتني السيدة إليانور ويتيمور والدة مايكل إلى غرفة المعيشة وضعت أمامي عقد زواج وقالت بلهجة حاسمة ليلي إذا وافقت على الزواج من مايكل ستكون فيلا بحيرة تاهو باسمك. هدية زواج من العائلة. تجمدت. كيف يمكن لخادمة مثلي أن تقارن بابنهم المدلل ظننتها تمزح لكن نظراتها كانت جادة. لم أفهم لماذا اختاروني أنا بالذات كل
ما كنت أعرفه أن أمي كانت مريضة بشدة ومصاريف علاجها الشهرية عبء لا يحتمل. عقلي قال لي ارفضي لكن قلبي الضعيف وقلقي على أمي جعلاني أومئ بالموافقة. كان العرس فخما يفوق الخيال في فندق ذا فيرمونت سان فرانسيسكو. ارتديت الفستان الأبيض وجلست بجوار مايكل ما زلت أظن أنني في حلم. لكن نظرته لي كانت باردة بعيدة وكأنه يخفي سرا لم ألمسه بعد. وفي ليلة الزفاف امتلأت الغرفة بالزهور. كان مايكل يرتدي قميصا أبيض مكويا بعناية وكانت أزراره اللامعة تتوهج تحت الضوء الخافت كأنها نجوم صغيرة تائهة في غابة من السكون. بدت ملامحه جامدة لكنها لم تكن قاسية كانت كملامح رجل يتعلم كيف يخفي ألما قديما تحت قناع من الانضباط. تقدم خطوة فشممت رائحة صابون لطيف وشيئا من خشب الصنوبر الرائحة نفسها التي كنت أجدها في الأروقة الطويلة لبيت عائلته. رفع يده كأنه يهم أن يقول شيئا ثم أنزلها بتواضع لا يليق عادة بأبناء العائلات الكبرى. لم أعرف ما الذي أخافني أكثر العرس الذي بدا كعرض ضخم لا علاقة له بي أم الرجل الذي صار اسمه زوجي
من دون أن أعرف كيف أقترب من قلبه. قال بصوت خفيض ليلي ثم صمت. كانت تلك الكلمة الأولى التي ينطقها باسمي منذ جلسنا أمام القس. لم أسأله عما يريد. كنت أرتجف لا من برد ولا من خجل عابر بل من ذلك الشعور الذي سبق كل الانهيارات في حياتي إحساس أن القدر أمسك بمقود السيارة بدلا عني وأخذني إلى طريق لم أختره. عندما اقترب أكثر رأيت في عينيه شيئا يشبه الاستغاثة. اليد التي مدها نحو كتفي توقفت في الهواء ثم ارتدت إلى جانبه. في تلك اللحظة فهمت. لم يكن فهما عقليا تاما بل ومضة بدائية تومض داخل الروح هذا الرجل يحمل عطبا ما عيبا لا يقال في مجالس العائلات الراقية وجدارا لا يهده المال ولا تسقطه الهندسة البشرية. ومن دون أن أسأله عرف هو أنني عرفت. جلس على طرف السرير وتنفس ببطء. آسف يا ليلي. كانت جملة قصيرة لكنها حملت تاريخا كاملا من الخيبات. لا تستحقين هذا. بقيت واقفة لحظات ثم جلست إلى جواره. لم أرد. لم أشعر أن الكلام يمكن أن يفعل شيئا أفضل من الصمت. كنت أمام رجل أرادته أمه سعيدا فبنت له عالما كاملا من الاحتمالات لكن الحقيقة أملت أن لهذا العالم بابا مغلقا لا مفاتيح له. لم يطلب مني شيئا في تلك الليلة. لم يختبر حدودي ولا حدود نفسه. اكتفى بأن يضع الغطاء على كتفي عندما شاهد ارتجاف يدي. وبعد وقت طويل من لحظات تقطعها أنفاسي المتوترة قال أستطيع أن أوضح كل شيء في الصباح. الآن فقط
نامي. أنت متعبة. هززت رأسي. لم أنم بسهولة. لكن الغريب أنني وأنا أسمع حفيف المطر يلامس شرفة الفندق العالية لم أشعر أنني أسقط في هوة. كان هناك حبل غير مرئي يربطني بشيء في الغرفة سكــ,,ـــــينة ما تتسرب من حضوره الهادئ من طريقة وضعه لكتفيه من اعترافه المباشر بأن في داخله جرحا لا يريد أن يخفيه عني. في الصباح جلسنا في ركن على هيئة صالون صغير قرب النافذة. صنع بنفسه قهوة سوداء لي وليه وقدمها لي في فنجان من خزف أبيض. قال هناك أمور طبية قديمة أنا بخير كإنسان لكن كزوج كامل لا. لم يزوق الجملة بعبارات معقدة. كان صادقا بقدر ما تسمح به اللغة. شعرت أن الهواء صار أثقل لكنني لم أغضب. ربما لأنني قضيت عمرا أتعلم كيف أتحمل ما لا أملك تغييره. أمي تريد أن تراني مستقرا. تريد أن تطمئن قبل أن توقف. قبل أن يذهب قلبها في الطريق الذي اختاره الأطباء له. قالها كمن يتحدث عن زائر متوقع لا يريد أن يوقظه قبل موعده. اختارتك لأنها رأت فيك شيئا لن يكلفك الكذب ولا سيجبرك على الانكسار. لا أطلب منك أكثر من أن نكون شركاء في بيت آمن. لو رغبت يوما أن ترحلي فالبيت على البحيرة سيكون
لك. لم يكن هذا رشوة. كان اعترافا بأننا نطلب الكثير منك. منذ تلك اللحظة بدأت أيامنا الغريبة. لم يكن بيننا ذلك التوتر الذي يسبق اكتشاف جسدين لبعضهما ولا ذلك الحرج الذي يحيط بزواج تقليدي. كان بيننا نوع آخر من التعارف أن نتعلم كيف نقف إلى جوار الآخر دون أن نضغط عليه كيف نترك مساحة للهواء كي يمر من بيننا فلا نختنق. كان مايكل يستيقظ مبكرا يقرأ في كتب عن التصوير والرسم يدون ملاحظات على أوراق صفراء ثم يمر على المطبخ ليسألني بطريقة لطيفة إن كنت أريد شيئا من المدينة. أخذني مرات إلى بحيرة تاهو حيث البيت الذي صار اسمي مكتوبا على أوراقه لكنه ظل يشعرني كأنه شيء أكبر من قدرتي على التملك بيت يطل على صفحة ماء زرقاء تلمع
صباحا كحد سكــ,,ـــــين وتلين مساء كوجه أم متعبة. في إحدى مرات المشي حول البحيرة سألته إن كان الرسم هوايته القديمة. ابتسم بتردد واعترف أنه لم يرسم إلا في الجامعة ثم ترك كل شيء ليدير أعمال العائلة بعد أول إشارات مرض والدته. قلت ارسم. كلمة واحدة خرجت مني كما لو أنها نصيحة لنفسي. في اليوم التالي عاد بلوحة كان قد بدأها قبل سنوات أطراف أشجار صنوبر وانكسار الضوء على الماء. وضع اللوحة في غرفة المعيشة وجلس يحدق فيها كمن يفتح نافذة على نفسه. لم تكن علاقة سهلة. السهولة تحتاج إلى خريطة عرفها الناس من قبل زوجان بيت أطفال خطوط واضحة تسهل على الجيران والأقارب تصنيفك. أما نحن فكنا نمشي في أرض بلا خرائط. كان بعض أفراد العائلة يبتسمون لي بصدق وبعضهم يبتسم بلباقة تخفي سؤالا لماذا هي ولماذا الآن كان الصحفيون يقتربون أحيانا من البيت المطل على الشاطئ يحاولون التقاط صورة لابنة الخادمة التي صارت سيدة ثم يغادرون بخيبة لأنهم لم يجدوا فضيحة جاهزة للتقديم على موائد الناس. تعلمت أن أغلق الستائر عند الغروب وأن أفتحها فقط عندما يشرق الضوء على الحائط المقابل وتظهر الظلال الناعمة للغصون. كانت السيدة إليانور تأتي أياما إلى البحيرة تقضي وقتها على كرسي مريح قرب النافذة الكبيرة. كانت شاحبة لكن شحوبها لم ي. فخامتها. قالت لي يوما وهي تنظر إلى الماء كنت أريد لابني أن يجد امرأة لا تجرحه بحلمه. هذا كل ما كنت أريده. لم
أرد. اكتفيت بأن أحضر لها شايا محلى بالعسل. وضعت يدها على يدي وقالت أعلم أنك لست تاجا يعرض أمام مجتمعنا. أنت امرأة. وهذا يكفي. في إحدى ليالي الشتاء والثلج يتساقط كثيفا سمعت صوتا غريبا في غرفة النوم. كان مايكل يتنفس بسرعة وعيناه مفتوحتان كأنه يرى كابــ,,ـــــوسا لا يخص النوم. أمسك بصدغه بيده ثم انحنى صار جسده قوسا يضغط نفسه في فراغ. ارتبكت. صرخت باسمه ولم يجب. لم أعرف سوى أن أطلب المساعدة. قدت السيارة رغم الثلج إلى المركز الطبي في المدينة يداه على صدري وأنا أمسكه كما لو أنني أحمل قلبا خارج جسدي. هناك في الضوء البارد للمستشفى أخذه الأطباء إلى الداخل. بقيت في الردهة أعد ثواني الساعة المعلقة. لم أفكر في شيء. كنت كمن يقف على حافة ماء أسود لا يرى عمقه لكنه يعرف أنه سيقفز لو طال الانتظار. عندما خرج الطبيب قال إنها نوبة قصيرة من تشنج بسبب ضغط وتعب. سيحتاج إلى متابعة. دخلت الغرفة. كان مايكل شاحبا لكنه فتح عينيه عندما سمع وقع حذائي. ضغط يدي بقوة جعلت أصابعي تئن وقال بصوت مبحوح لو يوما تعبت اتركي لا أريدك أن تتعذبي. بكيت. لم أبك بضعف ولا بقوة بل بصدق. قلت له لن أتركك. ليس لأن البيت باسمي. بل لأنك أصبحت بيتي. تلك الليلة صنعت شيئا لا تصنعه مراسم الأعراس. أعطت علاقتنا اسما لم نجرؤ على نطقه نحن اثنان اختارا أن يتقاسما العطب والأمان. من بعدها بدأنا نعيد ترتيب حياتنا كما يعيد الرسام توزيع الضوء على لوحة قديمة. أخذ مايكل أجازات أكثر من
العمل. عاد إلى الرسم بجدية. صار يخرج باللوحات إلى الشرفة يرسم حركة الماء في العاشرة صباحا ويعود في المساء ليقول ضاحكا إن الماء لا يثبت بما يكفي ليرسمه. اقترحت عليه أن نصنع ركنا صغيرا في البيت لعمل لا يخص العائلة. انضممنا إلى برنامج محلي لرعاية الأطفال الذين يحتاجون أسرا يستقبلونهم مؤقتا في عطلات نهاية الأسبوع. لم نكن نعد أحدا بشيء لكننا كنا نفتح باب البيت على اتساعه لنمنح وقتا صادقا ودفئا بسيطا. جاءنا صبي في التاسعة اسمه تومي كان يحب السيارات ويخاف من الكلاب. علمه مايكل كيف يثبت ريشة على قلم ويصنع بها خطوطا رفيعة. علمته كيف يخبز بسكويت
الشوفان. في يوم من تلك الأيام قال تومي وهو ينظر إلى لوحتنا المعلقة فوق المدفأة هذا بيت سعيد. لم أسأله كيف عرف. الأطفال عندهم بوصلة لا تخطئ. مرض السيدة إليانور أخذ منحناه الأخير بهدوء غير متوقع. عاشت شهرين في بيت البحيرة. كانت تقرأ بصوت خافت من مذكراتها القديمة وتطلب من مايكل أن يضع لها موسيقى كلاسيكية خفيفة. في إحدى الأمسيات طلبت مني أن أجلس قربها. قالت هل تشعرين يوما أنك ما زلت خادمة في منزلي ابتسمت. لم تكن ابتسامة دفاع ولا مجاملة. كانت ابتسامة اعتراف
أحيانا أشعر أنني تعلمت في بيتكم كيف أضع الأمور في أماكنها كيف أمسح الغبار عن الطاولات وعن الأفكار. لكنني لست خادمة. أنا زوجة ابنك. هزت رأسها راضية كما لو أنني أجبت الإجابة التي كانت تنتظرها منذ الليل الأول. رحلت إليانور في صباح بارد. لم يكن هناك صراخ ولا نواح. كان هناك صمت ثقيل وباب يغلق برفق على جيل كامل. حضر الناس بملابس سوداء أنيقة قالوا كلمات مناسبة ثم عادوا إلى حياتهم. بقي مايكل وأنا في البيت نسمع صرير الأرضية ونتذكر. في الليلة التالية للجنازة جلسنا أمام المدفأة لم نتكلم كثيرا. ثم قال فجأة أمي كانت ترى فيكي ما لم أجرؤ أنا على رؤيته. شكرا لأنك بقيت. قلت بقائي ليس معروفا. هو خياري. مرت الأشهر. تغيرت المدينة من حولنا كما تتغير الموسيقى في محطة إذاعية من دون أن تلمس يدك الزر. كنت أزور أمي في
تكساس كل بضعة أسابيع. لم تكن في صحة جيدة لكن صوتها صار أكثر طمأنينة عندما تخبر الجارات أننا نعيش قرب بحيرة كبيرة فيها صنوبر كثير. كانت تضحك وتقول إنني صرت أعرف أسماء الأطباق الفرنسية ثم تهمس إن أهم ما تغير أنني صرت أعرف قيمة نفسي. كنت أضع لها وشاحا ملونا في كل زيارة. تقول إن الألوان تعيدها إلى أيام الشباب. كنت أعود إلى البحيرة وأنا أشعر أنني أقف على جسر يربط عالمين عالم الطفولة والتنقل بين أعمال صغيرة وعالم جديد فيه مفردات لم تكن تخصني من قبل. لم أعد أخاف من هذا الجسر. صرت أسير عليه بخطوات موزونة ومع كل خطوة أعرف أنني لن أقطع حبلي السري مع الماضي ولن أخون الحاضر الذي اخترته. واجهتنا مصاعب من نوع آخر. في اجتماع لمجلس إدارة الشركة العائلية نظر أحد الأعمام إلي نظرة لا تحمل عداء لكنها تحمل
استنكارا مستترا ماذا تفعل هذه الفتاة القادمة من قلب الريح والغبار في صالة تحكم مصير ملايين لم أحاول أن أثبت شيئا. تعلمت أن بعض الأسئلة لا تجيب عليها الكلمات بل الزمن. والزمن بطيئا كما هو كان في صفنا. صار مايكل أكثر توازنا أمامهم أقل قابلية للانكسار إذا قيل له لا. لم يعد يحتاج إلى برهان خارجي على قيمته. كان يعود إلى البيت كل مساء ويقول لو استطعت أن أرسم ساعة في هذا اليوم فهو يوم جيد. في ربيع هادئ اقترح علي أن أعيد دراستي. كنت قد تركت المدرسة في الصف العاشر. شعرت بخوف طفولي من الفشل. قال الفشل الحقيقي أن نترك طفلة في داخلك واقفة على باب الصف تنتظر من يأخذ بيدها. التحقت بدورات مسائية في الكلية القريبة. كنت أكبر سنا من معظم الحاضرين لكنني لم أعد أشعر بالحرج. كنت أدون بتأن وأعود إلى البيت أشرح لمايكل ما فهمته في الأدب الأمريكي في التاريخ في مبادئ الاقتصاد. كان يستمع بفرح صادق كمن يرى نبتة تختار الضوء بنفسها. حين حصلت على شهادة المعادلة الثانوية احتفلنا بكعكة صغيرة كتب عليها صاحب المخبز أحسنت يا ليلي.
احتفظت بالصورة في هاتفي لا لأن الكعكة كانت مهمة بل لأن وجهي في تلك الصورة لم يعد يحمل خوفا قديما. في الصيف التالي كان ثمة مشروع صغير في البلدة لإنشاء مكتبة عامة على شاطئ البحيرة. شاركنا معا. كان مايكل يعمل على زاوية الفنون وأنا على ركن القراءة للأطفال. كنت أقرأ بصوت واضح وأرفع بنبرة خفيفة عند النقطة التي يضحك فيها الصغار. كان تومي يزورنا أحيانا ويجلس عند الباب كأنه يحرس عالما جديدا. في نهاية الأسبوع الأول اقتربت مني امرأة خمسينية وشكرتني. قالت إن ابنتها التي تخاف من الاختلاط جاءت لأن سيدة لطيفة تقرأ القصص كما تقرأ الأمهات في البيوت. في تلك الليلة جلست على الشرفة نظرت إلى الماء الساكن وشعرت أنني امتلكت أخيرا صوتي. سألني مايكل ذات مساء هل تحلمين بأن يكون في البيت طفل لنا لم ينسف السؤال صمتنا بل وضعه في مكانه الصحيح. نظرت إليه. قلت أحلم ببيت فيه حياة. لم نقل أكثر. كنا نعرف أن الكلمات الكبيرة يمكن أن تكون قاسية إذا طرحت بلا حنان. بدأنا نسأل عن التبني. لم يكن قرارا سهلا. اكتشفنا أن الطرق طويلة وأن الأبواب تفتح أحيانا ثم تغلق. لكننا لم نفقد إيماننا بأن البيت الذي يعرف أن يعطي سيعرف أن يستقبل. ثم جاءنا اتصال بعد أشهر طفلة صغيرة تحتاج بيتا مؤقتا لستة أسابيع.
اسمها آفا شعرها أسود كسواد ليل قريب من الغيم. عندما دخلت البيت أمسكت بيدي بقوة مفاجئة. لم تبتسم لكن عينيها
كانت تلتقط كل تفصيلة لوحة الصنوبر المدفأة الزهر في المزهرية. صنعت لها حساء بسيطا وجلس مايكل معها على الأرض يرسمان دوائر ومثلثات. في الليلة الثانية وضعت رأسها على كتفي وقالت بصوت بالكاد يسمع هل يبقى المرء هنا إذا أحب لم أجب. شددت على يدها. أحيانا يكون جواب الأمومة هزة دافئة لا جملة. لم نعرف ماذا سنصير بالنسبة لآفا. كان علينا أن نكون واقعيين. لكن البيت تعلم كيف يبقي أبوابه دافئة حتى لو جاءت الريح. صار لنا روتين مسائي نقرأ نرسم نترك للموسيقى أن تعلم الهواء كيف يرق. كان مايكل أكثر الرجال صمتا وأكثرهم عطاء

في التفاصيل الصغيرة يترك ورقة صغيرة على طاولة المطبخ مكتوبا عليها صباح الخير يضع زهرة من الحديقة في كأس ماء إلى جوار السرير يثبت إطار صورة التقطناها على الشاطئ. في كل تلك الحركات البسيطة كان يقول ما لا تستطيع أفخم الكلمات قوله. وفي أحد مساءات الخريف عادت السماء التي شهدت زواجنا الأول تمطر على نحو يشبه البداية. كنا نجلس أمام النافذة الكبيرة المطر ينساب على الزجاج كخيوط رقيقة والبيت يشتعل بنور أصفر ناعم. قال مايكل وهو يراقب انعكاس الماء على الأرض أتذكرين أول ليلة قلت كلها كانت كأنها تسأل هل تختارين ابتسم. وأنت اخترت. قلت وأنت اخترتني أيضا بطريقة لا ترى. هز رأسه ثم قام وأحضر لوحته الأخيرة. كانت لوحة للبحيرة في آخر النهار الضوء فيها يميل إلى عسل خفيف والماء يلتهم ما
تبقى من زرقة السماء بحنان. قال لم أعد أحاول أن أجعل الماء ثابتا. صرت أرسم حركته. قلت وهذا أجمل. حياتنا لم تتحول إلى أسطورة. لم نصبح قصة تروى في الصحف إلا على استحياء وبأخطاء طفيفة. لم نقهر العالم. لكننا بطريقة بطيئة وصحيحة قهرنا ذلك الخوف الذي كان يسكن موقع القلب الخوف من أن لا نكفي من أن يقال إن بيتا بلا أطفال ليس بيتا أو إن رجلا لا يكتمل في معنى اجتماعي معين لا يستحق الحب. تعلمنا أن الكمال وهم يتعب الناس. وأن السعادة ليست صخبا يلتقط بالميكروفونات بل تنفسا متناغما لروحين تعلمتا أن تعتبرا ضعفهما جزءا من جمالهما. في ليلة هادئة بعد أن نامت آفا في الغرفة الصغيرة خرجت إلى الشرفة. كانت البحيرة ساكنة إلى حد أنني سمعت قلب البيت ينبض. تبعني مايكل بصمت. وقفنا جنبا إلى جنب لم نمسك بأيدي بعضنا لأننا لم نكن بحاجة إلى طقس يثبت ما صار
بديهيا. قال أحيانا أفكر لو أننا التقينا في ظروف أخرى قاطعته برفق ربما كنا سنضيع. ضحك. صحيح. ربما كان سهلا أن نبتعد ونحن نظن أننا نعرف الطريق. نظرت إلى الماء وقلت الطرق التي لا علامات لها هي التي جعلتنا ننظر تحت أقدامنا ونمشي ببطء. وضع يده على كتفي لا كمن يريد أن يستملك بل كمن يقول أنا هنا. ومضت السنوات التالية بسلام متزن. بيت البحيرة صار له فصوله الخاصة. في الشتاء نتشارك البطانيات الثقيلة ونقرأ الكتب الطويلة التي تؤجلها الناس طوال العام. في الربيع نزرع بذورا في حديقة صغيرة صارت أشبه بكتاب مفتوح عن الصبر. في الصيف نملأ البيت بأصوات شابة من برنامج الرعاية يجيئون ويذهبون لكنهم يتركون صدى ضحكات يبقى في الجدران. في الخريف نتعلم أسماء ألوان لم نكن نعرفها من قبل صدأ الأوراق ذهب الضوء على الماء رماد الغيم. لم تعد الفيلا مكافأة. لم تعد ورقة قانونية تذكرني بما ظننت أنه ثمن دفعته لأجل أمي. صارت بيتا حقيقيا لأننا وضعنا فيه ما لا يشترى وقتا غير مستعجل حنانا غير مشروط صدقا لا يبحث عن سند خارجي. لم أعد أشعر أنني دخيلة في عالم لا أعرفه. صار العالم يقترب مني كلما اقتربت من نفسي. ومع كل لوحة ينهيها مايكل ومع كل كتاب أنهيه أنا ومع كل مساء نغلق فيه الضوء الأخير ونصغي إلى المطر كان معنى الزواج يتسع ليس عقدا ولا عرفا بل عهدا يوميا بأن نحمل معا وعينا ونعبر به لحظة اليوم بأقل خسائر ممكنة وأكثر نعمة متاحة. وفي كثير من الليالي حين يتعب الكلام كنا نسمع فقط خرير الماء البعيد ونرى وهج الموقد الخافت فأعرف أنني الفتاة التي
جاءت من غرب تكساس من طرق ترابية وأكف خشنة وجدت مكاني. ليس لأن بابا فخما فتح أمامي بل لأن يدا اختارت يدي وقلبا اختار قلبي وبيتا اختارنا نحن الاثنين كما لو أن البحيرة نفسها قررت أن تعيد تشكيل المرايا لتظهر لنا صورتنا كما هي غير مكتملة لكنها صادقة. وهذا يكفي. منذ تلك الليلة المرتجفة الأولى بدلت الحياة ملامحها بلا ضجيج. لم أعد أحصي ما لم يحدث. صرت أعد ما يحدث فعلا كوب قهوة يقدم في الصباح على عجل وبابتسامة لوحة تضاف إلى الجدار فتغير الضوء في الغرفة كتاب أضعه على الطاولة وأكتب على هامشه تعلمنا أن نرى. وأحيانا عندما تخفت الأصوات حتى تصبح البحيرة أقرب إلى حكاية قديمة أنظر إلى مايكل فأراه كما رأيته أول مرة مدهوشا من الكيفية التي يستطيع بها إنسانان مجروحان أن يبنيا بيتا لا يتسرب منه المطر. يلتفت إلي ويبتسم فأعرف أنني لم أخطئ الطريق وأن السعادة كما تعلمتها أخيرا ليست كمالا بل راحة قلبين تعلما أن يسكنا جنبا إلى جنب وأن يختارا ذلك كل يوم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *