قدري المر 1

الفصل الأول

*****

جميعًا نولد بصفحات بيضاء، ونتذبذب بين
هنا وهناك، وتبقى النفس هى العدو الأول لك
النفس أمارة بالسوء فعليك أن تجاهدها
وتروضها على الثبات بأن تلجمها دائمًا
حتى لا تقع فى غياهب المعاصى والشهوات والمنكرات،
فتصبح حينها مسخ مشوهًا بسير على خطى الشيـ . ـطان فالنفس دائمًا تزهو بما تروى وبما يجود الساقى

**

جاء اليوم الموعود

حل الليل وسط ترتيبات حفل الحناء لتصنع
أجمل صورة تَسُر الناظرين أمام بيت أل رشوان
كانت تجلس بجوار حماتها تستقبل الضيوف بملامح
هادئة أو بالأحرى جامدة هى لا تبالى لنظراتهم أو تعليقاتهم
كأنها فى عالم آخر تشعُر بشئ ما لا تعلم ما هو خوف أو حزن شعور جاثم فوق صدرها، نظرت أمامها لتطالعه يرقص بجنون مع أصحابه ويطلق أعيرة نـ .ـارية فى السماء كان احتفالًا عبارة عن طقوس عنصر النـ .ـار؛ الألعاب النـ .ـارية تملأ المكان، شابًا طائشًا لا يعرف همًا إلا للهو وبعثرة المال لم يتحمل مسئولية بحياته، لا تعلم كيف وافقت على الزواج منه، مالت حماتها عليها وهى تهمس فى أذنيها ببعض الكلمات وتشير بيدها نحو اخو زوجها المستقبلى وهو يقف مع كبار البلد فهو يبدو عكس أخيه هزت رأسها ثم اعادت بصرها لخاتم الخِطبة وهى تحركه فى يدها من الأعلى للأسفل، فجأة وقف إطلاق النـ .ـار، الأغانى من حولها وعلت صوت الصراخات رصاصة طائشة إستقرت فى قلبه، ليتحول الفرح لمأتم ويزف إلى مثواه الأخير، يزف إلى مكان لم يخطر على باله، الفرحة المنتظرة والقدر
عادات وتقاليد سيئة كيف تبدأ الحياة الجديدة بإزعاج
وترويع الأخرين، كيف تبدأ الحياة الجديدة وسط إفزاع
الصغار

*****

قبل الفرح بأسبوع

دائمًا ما نسعى خلف البساطة فى كل شئ، خلف الإختيار الأسهل لكن الحياة تعاندنا دومًا بالعقبات لنسقط فى شرك مأزقها

ألقت نظرة لحبات المطر التى تناثرت على زجاج الشرفة
الصغيرة ثم عادت بعينيها مرة أخرى نحو الحقيبة الصغيرة
التى أمامها التى تحوى ملابسها التى ستنقل لبيت زوجها
كتمت آه طويلة، فتح الباب وولجت والدتها ومن خلفها
والدها الذى حدثها قائلًا:

-بت يا روان انتِ لسه مخلصتيش دا كله شوية
ويخلص ضهر الجمعة وننقل العزال، مش كنا كتبنا
انهارده لكن حكمتى رأيك قدام الكل يبقى يوم الفرح

وزعت نظراتها بين والدها ووالدتها وتحدثت بتوسل قائلًا:

-يا بابا أنا مش عايزة الجوازة دي بلاها ، أنا مش
مرتاحة وبعدين أنا سألت عليه وعرفت أنه مدـ .ـمن يِرضيك أتبهدل معاه

نظر لها والدها بغضب وهو يقول::

-عايزة ومش عايزة هو فستان جديد، وبعدين ايه
مدـ .ـمن دي هو بياخد برشام ولا بيشم بودرة دي كلها سيجارة حشيش ودا عادى كل الشباب كدا وتتبهدلى
دا لو مش لاقى ياكل لكن دا مقتدر هو وأهله وهو
لا عمره هايجى يقولك هاتى دهبك أنا مزنوق ولا أنزلى
شغل،
وهو لو كان واحد كحيان كنت وافقت أنا عايزلك السعادة

استقامت “روان” والصدمة جعلتها دون إدراك ووعى
تنظر له بخزى، بينما هو مد يده يغلق حقيبتها دون إعتبار
لمشاعرها فهمست قائلة

-الحشيش عادى إزاى دا النبى نهي عن كل مسكر ومفتر

وقف امامها والدها وهو يسحب حقيبتها قائلًا:

-طب ابقى خليه يبطل اهو تأخدى ثوابه يا روان
وبعدين هو أنا كنت بصرف عليكِ عشان أجوزك واحد
مش لاقى ياكل، دا هيعززك ويعززنا معاكِ والواد هيتجنن
عليكِ دا فى شهرين كان مخلص كل حاجة يلا بلاش
دلع دا وكلام ماعدش ينفع

نظرت لوالدتها بعد أن أنصرف والدها من الغرفة فربتت
على كتفاها قائلة:

-دي عين يا روان يا حبيبتى دا البنات كلهم بيحسدوكِ
على الجوازة المرتاحة دي وبعدين صحباتك اللى فى
الشغل وسألتيهم عنه دول غيرانين منه وبيقولوا كدا
عشان نفوسهم مش حلوة يلا يا بنتى صلى ركعتين
واستعيذى من الشيطان

هى صفقة مربحة ولا أكثر هذه الحقيقة، حقيقة
قاتلة ومفزعة من الأمل والبراءة؛ الحقيقة مرة

******

تسللت أشعة الشمس داخل الغرفة فولجت والدته
وازاحت الستائر ثم نظرت نحو ابنها الغافى، كانت
تعلم أنه سيأتى فهو لا يضمر لأخيه أى شر، تعلم
أيضًا انه لم يكرهه لأنه أخيه من لحمه ودمه

جلست على حافة الفراش تهزه برفق وهى تهمس باسمه:

-مروان مروان

حاول فتح عينيه لكنه اغمضها سريعًا بسبب الضوء
ثم همس بجفاء:

-صباح الخير يا أمى

-صباح الفل يا قلب أمك

استقام من مكانه قاصدًا المرحاض وهو يغمغم:

-قلب أمك.
قلب أمك عشان نفذتى كلامك

اقتربت منه والدته بنبرة جامدة :

-تانى يا مروان ما خلاص بقى ماتكسرش فرحة اخوك
وهو مش بيصعب عليك

-هو ليه على طول حاطه فى دماغك أنا مشكلتى مع اخويا
انتِ عارفة بحبه قد أيه بس ابنك دا هيتجوز ازاى وهو
لا بيشتغل ولا يعرف مسئولية دا غير الزفت اللى بيشربه دا هو الجواز لعبة

رمقته بسخرية قائلة:

-طب ما انت بتشتغل وقد المسئولية وبتحايل عليك
تتجوز مش راضى اهو واحد يفرح قلبى، وبعدين شغل
ايه هو محتاج يعنى، وكمان هو بيشرب اكتر من
السيجارة والشباب كله بيشرب، ومين عالم مش ممكن
مراته تهديه دا هيتجنن عليها وشكلها متربية وبنت ناس

نظر لها بصدمة، حسرة، شعر بثقل من حديثه معاها
فتنهد قائلًا:

-الشغل دا مالوش دعوة محتاج ولا لأ، يعنى يبقى بيمد ايده ياخد مصروف ويتجوز، وبعدين الشباب كله بيشرب انا مالى انا ليا اخويا على العموم يا امى ربنا ييسر له الخير ويهديه

-ايوه يبقى ادعيله ومتنكدش عليه فى يوم زى دا انت دلوقتى بمثابة ابوه

هز رأسه بأسف غير راضى عن كلام والدته وتربيتها
لأخيه كادت أن تكمل حديثها لكنه قاطعها عندما تركها
وتوجه للمرحاض.

*****

كان ينتظرة بالأسفل بعد أن قام بتغيّر ملابسه ممسكًا بيده
قدحًا من القهوة، يرتشف منه وهو ينظر للأعلى رفع معصمه ينظر فى ساعته، وضع القهوة على الطاولة
وصعد للأعلى ثم ولج لغرفة اخيه وجده نائمًا

-ريان رياااان

انتفض من على الفراش يقف أمام اخيه قائلًا:

-ايه ايه أنا اهو معلش غفلت

رفع حاجبيه وهو ينظر له ثم نظر فى الساعة قائلًا ببرود:

-لو هنزعجك من النوم نأجل الفرح انهاردا

حك مؤخرة رأسه باحراج قائلًا:

-معلش بقى سهرت شوية إمبارح خمسة وهاجهز

-سهرت؟!
أنا مش شايف أمك شايفة ايه فيك يصلح للجواز

-طب بذمتك يا مروان مش نفسك فى بيبى صغير يقولك
يا عمو، طب أيه رأيك بقى إن أول عيل انت اللى هتربيه
وهسميه كمان مروان على اسمك
يلا بوشكاش بيضحى عشان متقولش
الواد وابوه مش متربيين
قهقة مروان وهو يهز رأسه ثم جذبه لحـ .ـضنه رابتًا على
ظهره وهو يقول:

-لأ أنا هربى ابوه وهو يربيه، متفتكرش بجوازك هتكبر
عليا

-لا عاش ولا كان اللى يكبر عليك يا مروان

ثم تابع مروان:

-ريان الجواز مسئولية مش زى ما فى بالك ولازم تبقى
قدها اوعى تخلينى أندم انى وافقت هتراعى ربنا من
هنا ورايح والزفت الهباب اللى بتشربهُ تبطلُه

هز رأسه وكل ما فيه يبتسم بسرور قائلة:

-تندم أيه دا أنا هرفع رأسك للسما عيب احنا جامدين اوى

حدجه مروان بنظرات تحذيريه فتحمحم ريان قائلًا:

-هاتغير والله وعشانها كمان دي تحس كدا انها ملاك
ملاك يا مروان، كفاية اخلاقها، والله يا مروان
هاتشوف واحد تانى وانا والله بدأت يا مروان ابتسم مروان قائلًا:

-طب يا عريس أجهز وأنا مستنيك تحت

هز رأسه وتوجه مسرعًا نحو المرحاض، فى هذه الاثناء صدح صوت هاتف مروان فتوجه نحو الشرفة لسوء
التغطية ليبحث عن بقعة ارسال ليستطيع الرد، وقد إستغرقت مكالمته عدة دقائق وما أن
انتهى من المكالمة إستدار ليعود من الداخل لكن الصدمة
ألجمته عندما سمع همهمة اخيه فى الهاتف قائلًا:

-بلا ريان بلا زفت بقى مش قولت خلاص يومين والفرح
يتم ونكتب الكتاب اطمنى، مالك خايفة ليه مش كلمت
ابوكِ وحددنا ميعاد كتب الكتاب، انتِ
قدام الكل كدا مراتى ومحدش هيعرف العلاقة اللى حصلت ما بينا قبل الجواز ولا بعده اهدى بقى

اغلق الاتصال ودس هاتفه فى جيبه بينما هو الصدمة
ألجمته كان الذهول فى عينيه حقيقى، حاول ان يستوعب
تلك المصيبة، كيف تجرأ اخيه فى المعاصى لهذا الحد
اغمض عيناه رغم الصاعقة التى وقعت التى ضر….بت
احشائه لكنه تماسك قائلًا:

-ماشى بس يعدى الفرح وهحاسبك براحتى على
المصيبة دي

*****

اليوم الموعود

فى المشفى

جثى قربه واضعًا كفه على قلب اخيه الذى يحاول أن يستشعر منه نبضة واحدة بعد أن توقفت انفاسه رفع
مروان رأسه للطبيب هامسًا:

-ارجوك الله يخليك اعمل حاجة اى حاجة والحقه ودخله
العمليات

اغمض الطبيب عينيه بأسف هاتفًا قبل أن ينصرف::

-البقاء لله

هز مروان برأسه دافنًا رأسه فى عنق اخيه يذرف دموع عاجزة، عاجزة ومقهورة

-ريااان ريان متسبنيش عشان خاطرى ياريان

جثت والدته بقربه تأخذ جسده الهامد من حـ .ـضن أخيه
كان كقطعة جليد باردة وصرخت بصوت مجلجلًا رج جدران المشفى

-ريان مات يامروان، مات والحنة فى إيده ملحقتش أفرح
بيه يا مروان

اقترب منها مروان يضمها هى وجسد أخيه الهامد يبكى
كطفل صغير.

*****

ياللقدر وألعابه

احيانا تجتمع المصائب دفعة واحدة لتكون كارثة طبيعية
كالزالزل، والبراكين، أو ربما إعصار يمر بحياتك ليدمر

انتهى، انتهى كل شئ لكن تبقى نظرات الناس الجميع
ترمقها بين شفقة، شماتة، حزن فالنفوس البشرية
مختلفة بالنهاية هى مادة خام للنميمة

تحت المياه المنسابة على رأسها وقفت روان وهى ترتدى
كامل ثيابها دموعها تتسابق فى الانهمار مع المياة، احداهما
تبرد جسدها واخرى تبرد روحها

كانت ترتعد من شدة البرد بشفاه زرقاء، لقد غسلتها
المياه لكن لا لم تغسل حزن روحها، فهى لم يكن الزواج
يومًا هدفها ولا تسعى إليه

*****

بعد مرور اكثر من ثلاث اسابيع

فرغ من صلاته والحزن يثقل صدره، جلس فى إحدى الزوايا واسند رأسه للخلف لم يصدق انه مر على مو….ت
اخيه ثلاث اسابيع، جلس بجواره خاله وبيده
مسبحته الخشبية هاتفًا:

-وحد الله يا مروان يا بنى، ربنا خد امانته وكلنا رايحين
فى الأخر إدعيله بالرحمة ربنا يغفر له

-الله يرحمه يا خال، بس كأن روحى فارقتنى ومش عارف
أعيش

-البركة فيك يا بنى وتاخد بالك من أمك

اغمض عيناه بألم ثم همس بوجع:

-عايز أقولك على حاجة يا خال

ابتسم بحنو يحثه على الكلام قائلًا:

-قول يا بنى وخفف عن صدرك

سرد له المكالمة التى سمعها قبل زفاف أخيه توسعت
عين خاله ثم هتف بذهول:

-لا حول ولا قوة إلا بالله، ليه كدا يا ريان يابنى
الله يرحمك بقى، إسمع يا بنى ريان كان تايب
‏من الذنب وبيصلح غلطه وإذا كان ربنا قبل أو
‏لأ دي بتاعة ربنا، لكن البنت دي سمعتها كدا
‏هتضيع

تنهد ثم قال بجدية:

-تسمع منى يابنى

-طبعا يا خال اُمال بحكى ليه

هز رأسه ثم ربت على كتفه قائلًا:

-يمكن ربنا خلاك تسمع حاجة زى دي عشان تنول شرف
ستر مسلم، لو تسمع نصيحتى يا بنى كمل اللى اخوك كان
هيعملُه تأخد ثوابها وتسترها وتبقى بتصلح غلط يا ابن
اختيِ أنا عارف أنك مش بتفكر فى الجواز بس دا ستر على
بنت من الفضيحة حتى لو طلقتها بس إسمها اتسترت

ثم تابع قائلًا:

من كان فى حاجة أخيه، كان الله فى حاجته
ومن فرج على مسلم كربة فرج الله عنه بها كربة من كرب
يوم القيامة، ومن ستر مسلم ستره الله يوم القيامة

نظر له مروان مصدوم لم يتوقع رده هذا قائلًا:

-ايه اللى بتقولُه دا يا خال

ربت على كتفه قائلًا:

-اللى شايفه قولته وانت اللى هتأخد القرار يا مروان أنت
مش مُلزم بحاجة، قوم بينا نصلى ركعتين وندعى ربنا يدلك على الخير

*****

فى غُرفة مروان

مع إشراقة الفجر يقف فى غرفته يشاهد بزوغ الشمس،
ليلة مؤرقة لم يزُر النوم عيناه، نظر للأعلى فهو
دائمًا يستبشر بطيور الحمام وهى تسبح فى السماء
عزم أمره وخرج من غرفته وتوجه نحو والدته وجدها
تجلس تقرأ فى المصحف ودموعها تنهمر جلس بجوارها
يقبل رأسها، فأغلقت المصحف هامسة:

-صدق الله العظيم، قلبى وجعنى على اخوك أنا قصرت
فى تربيته كنت بقول شاب ويعيش حياته، دلوقتى ايه
اللى ممكن ينفع

اغمض عيناه بألم هى محقه لكنه اراد التخفيف عنها

-ربنا يرحمه ودا نصيبه ومتقلقيش أنا بعمل خير
كتير ليه يا أمى صدقات جارية ليه طول ما أنا فيا
نفس أدعيله بالرحمة والمغفرة انتِ

تنهد ثم اكمل قائلًا:

-كان فى موضوع كدا حابب اكلمك فيه، مش كنتِ على
طول عايزاني أتجوز أنا أخدت قرارى

ضيقت حاجبيها ثم سألته بإستنكار:

-دلوقتى عايز تتجوز

-أه، هتجوز خطيبة ريان يا أمى

ضر…بت صدرها ونهضت واقفة تحدثه بحدة:

– أيه الكلام دا؟! تتجوز مين البت النحس دي
ومين هيوافقلك على الكلام دا،و يوم ماتحب تتجوز مالقتش غير اللى كان عايز يتجوزها اخوك يا مروان

شعر بخفقة و…..جع ضر…..بت قلبه فى المنتصف كان يعلم
لذلك كان مستعدًا فتنهد قائلًا:

-ولا عمرى كنت هافكر فيها ولا فى الجواز بس عندى اسبابى

-وايه هى بقى اسبابك؟!
تنفس بصعوبة والتقط انفاسه الثائرة بصعوبة لا يحق له
فتش سر أخيه، فأخيه في دار الحق الآن، حسابه عند خالقه:

-عشان ريان يا أمى كل يوم يجيلى فى الحلم يطلب منى كدا ولما سألت خالى قال نفذ طلبه عشان يرتاح

جلست على الأريكة خلفها ودموعها تملأ عينيها قائلة:

-دا طلب ريان ابنى يا قلب امك يا غالى

*****

اشرقت الشمس ببهاءها داخل غرفتها، وتلك الاصوات والإبتهالات، كل هذا لم يترك بها إلا أثرا واحد الحنين
لحياتها السابقة، الاطمئان، راحة البال عملها فى المشفى
كممرضة، كل ما سبق من مشاعر هاجمت قلبها لتعلن
الحرب على سقوطها وجمودها

نهضت من مكانها وتوضأت لتصلى وما أن انتهت من
الصلاة خرجت من غرفتها التى ظلت حبيستها الأيام
الماضية، كانت ترتدى فستانًا باللون الأسود وخمارًا
باللون الازرق وما أن رأها والدها جذب يدها بقوة
وهو يصرخ بها:

-ايه اللى انتِ لابساه دا وعلى فين

-لابسة هدومى وهاروح شغلى

صرخ بها بحدة قائلًا:

-لابسة الوان ولسه الرجل ميت
الناس تقول إيه، ولا بلاش لو حد وصل الكلام لأهل
خطيبك هايكون ردهم أيه واحنا لسه ما تكلمناش فى
حقوقك والشقة اللى فرشنها ادخلى جوه يلا

اغمضت عيناها تتذكر السبب الرئيسى من زواجها من هذا
الشاب، انه هو الذى تحمل الجزء الاكبر من تكاليف تلك الزيجة، وكأنها سلعة راكدة معدومة القيمة

قبل أن تجيبه صدح صوت الطرق على الباب وفجأة
تحولت حالتها وكأن هناك يد خفية اعتصرت قلبها
توجهت نحو الباب وفتحته ولم تعلم هوية الواقف امامها
فجاء والدها من خلفها يهتف بترحاب

-مراون بنفسه عندنا والله كنت لسه بقول لروان
هنروح للحاجة انهاردا نطمن عليها ونشوفها محتاجة
إيه والله الحزن ملا قلوبنا الله يرحمه

لم ينتبه لحديثه وهو يرمق الواقفة التى ترتدى الألوان
الفاتحة ويبدو أنها لم تحزن على اخيه تلك العا..
قطع حديثه مع نفسه مستغفرًا ثم جلس بعد دقائق
كان يضع كوب الشاى أمامه ثم تنهد قائلًا:

-أنا جاى أطلب إيد بنتك للجواز منك وأنا أحق
بيها لو وافقت هاكتب الكتاب فى بيتك هنا الأسبوع الجاي وهاخدها على اسكندرية من غير فرح ولا أى حاجة

ابتسم والدها بسعادة وألتمعت عيناه بطمع قائلًا مسرعًا:

-وإحنا لينا قول بعد كلامك موافقين طبعًا

*****

الفصل الثانى
★★★

-أنا مش موافقة يعنى مش موافقة

قالت روان جملتها الاعتراضية وهى تخلع خمارها وترميه
ارضًا فصرخ بها والدها قائلًا:

-ومين طلب رأيك اصلا أنت حقك تحمدى ربنا أن حد بصلك أصلًا بعد السمعة اللى هتتطلع عليكِ

غصة مريرة فى حلقها قلبها يحترق تشعر بالذل والهوان

-سمعة ايه؟!
بعدين مين قالك أنى عايزة اتجوز أنا بصرف على نفسى
ومش محتاجة لحد

-انتِ ماحدش مالى عينيك هتذلينا على الكام قرش
اللى بتجبيهم، وبعدين مش كانت حجتك التانى عيل
طايش وبيشرب، دا بقى حتى السيجارة مش بيشربها
وبيصلى الفرض بفرضه، إعملى حسابك كتب الكتاب
الجمعة الجاية

إتسعت عيناها وشهقت بصدمة قائلة:

-هو غصب ما كفاية المرة اللى فاتت لو أصريت أنا
هاهرب صدقنى

انقض عليها يقبـ .ـض على خصلات شعرها ويجذبها بعنـ .ـف
قائلًا:

-تهربى وتجبيلى العار دا أنا أمو….تك وأخلص منك

تدخلت والدتها تفلت خصلات شعرها من يد والدها قائلة

-خلاص أبعد أنت وأنا هاتكلم معاها روح شوف كنت رايح فين

أنصرف وهو يتمتم فإقتربت والدتها قائلة بعتاب:

-كدا يا روان دا كلام يتقال بردوا وتجيبلنا العار، وتوقفى
حال إخواتك والله دي عين وصابتنا ربنا يهديكِ دا عريس
ميتعيبش

تتطلع إليها فى صمت دون أن تنطق وكأنها تسألها اين
مشاعر الابوة ردت عليها كمتهم يائس من الحياة باكتاف
متهدلة وظهر منحنى:

-ماشى، وذنبى فى رقبتكم لو حصلت ليا أى حاجة حتى
لو محصلش أنا ذنبى فى رقبتك

***** بعد أسبوع

تنهد بثقل ذلك المشهد لا يغادر عقله، لا يتوقف فى صحوته ونومته مو…..ت اخيه بين ذراعيه يعذبه، هو يفعل كل ذلك أملًا فى خالقه ليتقبل توبة اخيه، فرك فروة
رأسه لكنه أبتسم بهدوء عندما قابل رفيق اخيه
رفيق عمره فحدثه قائلًا:

-عامل أيه يا رامى؟!

-بخير من ساعتها وأنا مش مصدق ومش عايش

أبتلع غصة بحلقه والدموع زادت حرقه هاتفًا:

-الله يرحمه يا رامى
مش هاوصيك على امى يا رامى أنا لازم أنزل أسكندرية
عشان شغلى وانت بس هتخلى بالك من أمى لو تعبت
تقولي وهى فى واحدة بتيجى تساعدها فى البيت

خيم الحزن عليه قائلًا:

-بتوصينى على مين؟!
دي أمى يا مروان، أنت هتكتب الكتاب دلوقتى؟!

هز رأسه بالإيجاب قائلًا:

-مستنى خالى هيجيب المأذون وهنكتب على طول ونطلع

-وصلوا يا مروان اهو

فى الداخل يجلس المأذون بين مروان وابيها تحدث عن أهمية الزواج، وكيفية أقامة علاقة صالحة ومراعاة الزوجة، وبعض النصائح

رفعت روان نظرها نحوه وجدته يبتسم بسخرية إنتفضت
من داخلها رياح عاتية تنتزع ثباتها، شرع المأذون فى مراسم عقد القرأن، وبالأخير وضع الدفتر أمامها تضرعت
لله فى سرها ثم امسكت بالقلم ونقشت حروف اسمها
فى الرقعة البيضاء، دقائق وكان المأذون يقول

-بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير

اغمضت عيناها فهل مصيرها سيكون الزواج ثم الإنجاب
فقط من شخص لا يرغبها ولا هى تريده كحال الكثير من الزيجات

وقف فى الخارج ينتظرها ليأخدها معه شقته بالاسكندرية
أقترب منه خاله وهو يمسك مسبحته الخشبية ثم نظر
للأرض قائلًا:

-أنت مشيت فى طريق بإختيارك، أوعى ثم أوعى
تعمل خير يتقلب عليك شر

قطب حاجبيه وهو ينظر إليه فتابع خاله وهو يرفع
بصره إليه:

-طبعًا اى كلمة هتقولها غلط او تحاول تكسرها، الثواب
كله ضاع ومش بس كدا لأ هتشيل ذنب خد بالك

*****

شعرت فجأة بكفه التى سحبتها، تجمدت كأنها لوح خشبى
سارت خلفه بصمت حتى وصلت لسيارته وفتح لها باب
السيارة لتجلس ثم اغلق الباب خلفها

بعد مرور نصف ساعة كان مروان يضغط اكثر على
دواسة الوقود مضاعفًا سرعته لدرجة خطرة غير
عابئ بالمخالفات التى سجلها، تحكم فى المقود
بإحدى قبـ .ـضتيه وكفه الأخرى يفرك مقدمة رأسه

أما هى غمامة سوداء غشت عقلها طوال الطريق، تفكر
فى مصيرها المجهول، لم تفق من غمامتها سوى إمام
المبنى الذى به شقته، صعدت وما أن فُتح الباب صدمت
من هيئة الشقة، غير نظيفة تحوى تراب كثيف وشبك
عنكبوت وبقايا طعام فوق الأثاث منظرها مقززًا، وملابس
مبعثرة فى كل مكان، رفعت يدها تضعها على أنفها
رائحة كريهة تملأ المكان ظلت تتطلع له تارة و للشقة تارة اخري
ثم همست بذهول: -أيه القرف اللى انت جايبنا فيه دا؟!

رمقها بإستنكار، هل يثير منظر الشقة نفورها وإشمئزازها
ولم يثير إشمئزازها ما فعلته مع أخيه قبل عقد القرآن
اجابها بخشونة:

-الشقة كانت مقفولة

تركها وغادر الشقة دون أن يعطيها أى اهتمام، أما هي بحثت
فى الغرف عن غرفة لتنام بها، ثم حملت حقيبتها معاها
واغلقت الباب خلفها واخرجت بعض الملابس المريحة
وبدأت بتغييرها ثم غطت شعرها واضطجعت على الفراش
تدثرت بكل الألحفة والبطانيات المفروشة تناشد الدفء
فهذه الشقة المقززة وهذه الغرفة النائية، تشعر بالضعف
خناجر من الألم تنغرز فى جوفها، تشعر بالعجز
حاولت أن تغمض عينيها ولو دقيقة واحدة عقلها سيجن
من كثرة التفكير، وبالفعل غفت ولم تشعر بنفسها.

******

-ما قولتلك يا طه امى هى اللى اصرت عليا

تلك الجملة قالها مروان لصديقه طه الذى اجابه مستنكرًا:

-يعنى اتجوزت اللى كانت هتكون مرات اخوك عشان امك اصرت طب ما طول عمرها بتصر أنك تجوز

تأفف بضجر قائلًا:

-ما خلاص يا طه هو حوار اتزفت واتنيلت وخلاص
ايه اخبار الشغل

-اللهم لا شماتة بس انا شمتان انك اتهببت واتنيلت
بالنسبة للشغل متقلقش طول الفترة اللى فاتت
تمام ونزلت معايا مها الشغل كله عشان مصلحة
الشغل يعنى ورايا فى البيت وفى الشغل

التو ثغره ثم ارتشف اخر رشفة من قهوته قائلًا:

-والله مها مظلومة معاك انت وابنك، المهم هاروح أنام
وأجيلك بكرة، سلام

تمتم طه بامتعاض:

-اديك اتنيلت زى ما بتقول كلها كام شهر وهتصدق كلامى

أبتسم بسخرية وهو يهز رأسه ثم نهض منصرفًا فى صمت

******

ثلاثة أيام مرت ثلات أيام بلياليها حبيسة غرفتها لا تغادرها
إلا بعد أن يطرق هو الباب هاتفًا لها بإنه احضار طعامًا فى
الخارج ووضعه على الطاولة كانت تنظر أن ينصرف لتخرج وتأخذ الطعام وتدخل غرفتها ثانية
لم يصدر منها أى رد فعل فقط متعبة كارهة للحياة

نهضت من على الفراش محاولة إستجماع قوتها
ولتتخلص من ضعفها، هى وافقت على الزواج وانتهى
الأمر وعليها تقبل حياتها الجديدة، جلبت هاتفها
وشرعت فى تشغيل القرأن عليه، وبدأت فى تنظيف
الشقة، جذبت الستائر المتسخة لتضعها فى الغسالة استغرقت اليوم بأكمله فى تنظيف الشقة عانت
كثيرًا ثم اتجهت للمرحاض لتنظف نفسها هى الأخرى

وما أن انتهت توجهت إلى خالقها كى تصلى العشاء
ودعت الله كثيرًا ورجته ان يزيح ثقلها ويريح قلبها

قبل دقائق دلف مروان للشقة واحتلت الدهشة ملامح
وجهه وهو يرى الشقة نظيفة ورائحتها فل وياسمين
اقترب من غرفة المعيشة وجدها تصلى وقف يراقبها

انهت صلاتها واستدارت وجدته امامها واقف يتبادلا
نظرات وكل ما يرواده أن ملامحها البريئة المشعة
هى التى غوت اخيه كى يقع فى الخطأ، أبعد نظره
عنها وهو يتمتم مستغفرًا ثم حدثها وهو يوليها ظهره

-الأكل عندك بره

وعندما لم يضف اى كلمة اخرى سألته بتوتر بالغ:

-أنت مش هتتعشى

-لأ كلت كلى انتِ

ابتلعت ريقها بأحراج قائلة مسرعة::

-طب مافيش داعى أنا بعمل أكل، يعنى ممكن أطبخ بس
لو فى طلبات

كان يستمع وهو موليها ظهره هز رأسه ومضى فى طريقه

*****

ممددة على الفراش طريقته تضر….بها بقسوة هزت رأسها بقهر كيف تلومه وهى لم تستطع أن تنقذ نفسها من هذه
الزيجة، لم يغمض لها جفن ظلت شاردة فى السقف
حتى سمعت أذان الفجر فاستقامت لتصلى واتجهت
للحمام لتتوضأ لكنه فجأها وهو يخرج من الحمام
ويتمتم بالاذكار، إذ أن الاضواء كانت خافتة بعض
الشئ، حدق بها بعينيه حادتين لكن ظلـ .ـمة الغرفة لم
تتيح له الفرصة لتّمعن فى ملامحها فسألها:

-رايحة فين؟!

-هاصلى؟!

ضحك بسخرية وهو يقول:

-تصلى، سبحان الله !

-ليه يعنى أنا طول عمرى ببقى سهرانة وبصلى الفجر

اجابها بمغزى:

-طبعًا مش ممرضة وتبقى سهرانة برا البيت

حاولت أن تدقق فى ملامحه لتدرك مغزى حديثه لكنه
تجاوزها مسرعًا وقفت مكانها وانفاسها تضيق

******

فى صباح اليوم التالى

خرجت من غرفتها وجدت على الطاولة جميع اغراض البقالة، ومختلف انواع الفاكهة نفخت بنفاذ صبر
وحملت الأكياس وتقدمت نحو المطبخ ترص المشتريات
فى الثلاجة. وأسرعت فى تحضير الطعام بكل همة

فى المساء

وضعت العشاء على الطاولة وقامت بتغطية الطعام
وكانت تنتظر عودته خلف باب غرفتها وما أن التقطتت
صوت اقدامه سمعت ايضًا باب غرفته يغلق خرجت
على اطراف أصابعها وجدت الطعام كما هو شعرت
بجرح غائر بكرامتها من تجاهله لها

يوم تلو يوم وبدأت حالتها النفسية تسوء اكثر شعرت
انها حبيسة فى هذه الشقة فهو يقفل الأبواب عليها
غضب عارم هى ليست جارية ظلت تنتظره
فوق الاريكة مرت ساعة والاخرى وهى تنتظره
وبالأخير رأته يدخل من الباب رمقها بإستغراب
لكنه لم يعقب ألقى السلام فقط ومر إلى غرفته
لكنها اوقفته بصوتها العالى قائلة:

-انت استنى هنا

انقبـ .ـض فكه وقبـ .ـض على اصابعه حتى ابيضت مفاصل يده
استدار وهو يسألها من بين أسنانه:

-انتِ بتكلمينى أنا كدا؟!

حدقت به بشراسة ثم اجابته بسخرية:

-هو فى حد هنا غيرك

-انتِ اتجننتِ

وقفت أمام وجهه الغاضب تصرخ به:

-ممكن افهم انت حابسنى هنا ليه هو أنا فى سجـ .ـن بتقفل
عليا ومنعنى من النزول ليه ممكن افهم

نظر لها بنظرات مشتعلة ثم اجابها بشراسة قائلًا:

-لأنى مش بثق فى واحدة زيك

صُدمت من كلماته ولم تتوقع رده هذا فصرخت بجنون

-واحدة زى أنا، واحدة زى أنا انت اتجننت أنا يتحلف باخلاقى، واكبر دليل جريك انت واخوك الصايع ورايا، ولأنى عارفة تربيتكم أنا اللى كنت برفض

انقض عليه يلوى ذراعها خلف ظهرها قاصدًا أن يؤلمها
هاتفًا بعصبية مفرطة::

-اخويا الله يرحمه اياكِ تجيبي سيرته على لسانك فاهمة
فاااهمة، أما بالنسبة انى اتجوزتك فأنا عشان استر عليكِ

تأوهت بألم وهى تسأله:

-تسترى عليا أنا

صدره يعلو ويهبط من فرط الغضب وسرعة انفاسه
اجبرته على قول ذلك فدفعها بحدة قائلًا:

– امى قالت محدش هيقبل بيكِ فى البلد اتجوزك
واستر عليكِ، بس يكون فى علمك أنا مش زى أخويا
واى غلط مش مسموح وتقعدى هنا وانتِ حافظة لسانك

دفعة بحدة لترتمى على الاريكة خلفها اصبحت كشظايا البلور المكسور

***** قدرى المر
★★★
الفصل الثالث
***

الحياة تسير ولا تتوقف والوقت يمضى، وشعور السُخط بداخلها يتزايد..

عاد من عمله وما أن ولج تسمرت عينيه على شعرها الأسود الكثيف
المموج يصل حتى أسفل ظهرها، وما أن شعرت به
أستدارت ترمقه بغضب، بينما هو ولأول مرة يتأمل
ملامحها المشرقة، والنمش يحتضن وجهها، شعرها مع وجهها كانت لوحة فنية كأنها ملكة إغريقية لكنها كشرت أنيابها كوحش كاسر لتقطع لحظات
تأمله هاتفة :

-اسمع أما أقولك أوعى تكون فاكر عشان جيبتنى
من البلد هتدوس عليا لا أنا إستحالة أقبل ومش
هتحبس هنا أقسم بالله اصرخ وألم عليك العالم

أقترب منها يقف أمامها وعينيه تطلق شرار شعرت
بالرهبة فاقترب منها أكثر فرفعت عيناها لترى عينيه
السوداء المحاطة بالرموش الكثيفة، كانت عينيه أجمل
عن قرب همس من بين أسنانه:

-لسانك طويل وعايز قصه

استعادت ثباتها ودفعته كلبؤة شـ .ـرسة:

-انت مشترتنيش بفلوسك

تركها ثم خبط على الطاولة بعصبية هاتفًا:

-انت ليه مصرة ومصممة تخرجى اسوأ ما فيا يابنت
الناس متعرفيش تخليكي في حالك

-رجعنى البلد رجعنى البلد هاأقعد هناك وانا هااخليك في حالك

أنهت جملتها تزامنًا مع طرق الباب رمقها بطرف عينيها ثم
توجه نحو الباب لكنه توقف يرمقها

-هتقفى كدا كتير أدخلى جوه

رمشت عدة مرات فطريقته الفظة جعلتها تود الصراخ
به لكنها لم تفعل وأتجهت للداخل، فتنهد وهو يمضى
ليفتح الباب، فوجد صديقه وزوجته مها وأبنهما الصغير عمار، ضحك طه قائلًا:

-ايه يا عريس صوتك جايب لأخر الشارع ليه؟!

لكزته زوجته فى كوعه فأبتسم مروان بتهكم

– متتعبيش نفسك يامها دا مش متربى، أتفضلوا

وما أن ولجوا كان طه يدور حول نفسه بإنبهار هاتفًا:

-الشقة بقت كدا إزاى ايه النظافة دي؟!
لا أكيد دا شغل العصايا السحرية

جذبته مها من معصمه ليجلس بجوارها فنهض مروان
متجهًا نحو غرفتها طرق الباب ثم نظر نحو طه الذى
كان يراقبه فأدار المقبـ .ـض وولج دون استئذان

-دا صاحبى ومراته، إلبسي حاجة وتعالى عشان تسلمى عليهم

-كل حاجة أوامر عندك

فرك وجه متسائلًا:

-فين الأوامر بقولك تطلعى تسلمى على الناس

-إسمها لو سمحتِ

رفع حاجبه ثم أمال رأسه نحو اليسار قليلًا قائلًا بتحدٍ:

-دقيقتين وتكونى برا

فى الخارج

جلس عمار على ساق مروان هاتفًا:

-وحشتنى أوى يا مروان

-وانت اكتر يا عمار اخبارك أيه

قبل أن يجيبه كانت تخرج هى من الداخل بابتسامة هادئة
مدت يدها لتصافح مها، فاسرع طه يمد يده ليصافحها
فاطرقت رأسها ولم تمد يدها هامسة بإحراج:

-اهلًا بحضرتك

لا يعلم مروان لماذا شعر بسعادة تغمره، تحمحم طه
قائلًا:

-أنا عرفت أن مروان مروح بدرى قولت
تلات بالله ما يحصل لازم نيجى نقعد معاكم

توسعت عين مها بصدمة هاتفة بعصبية:

-أنت بتقول ايه؟! مش قولتلى أن مروان هو اللى محدد
الميعاد من يومين، انت مش هتتغير والله هتمو…..تنى

اجابها إبنها الصغير:

-حراام عليكِ طاطا دا قمر انتِ اللى على طول تصرخى
فينا وتقولى عايزة تطفشى

-اهو إبنها شهد عليها أهو أهو

ضحكة رنانة أخترقت اذنها، أذلك الرجل يضحك؟!
ولماذا دائمًا يُكشر عن أنيابه معاها، هزت مها رأسها
بيأس بينما هو هتف:

-أنا قولتلك يا مها من زمان سيبيه أصرتى عليه ودي
النتيجة

ضحك طه قائلًا:

-يا جدع خليك محضر خير

ثم تابع موجهًا حديثه لروان:

-أنا ومها ومروان كنا زمايل من الجامعة

هزت رأسها ثم نهضت وهى تقول:

-ربنا يديم المحبة بينكم

انصرفت نحو المطبخ وغابت بضع دقائق واحضرت صينية
بها اكوب عصير وقطع كيك كان أول من مد يده عمار
ليتناول قطعة كيك وما أن تذوقها صاح بفرحة:

-الله كيكة جميلة غير بتاعة ماما المحروقة

رفع طه يده قائلًا:

-اهو بردوا جت من إبنها

وضعت الكيك فى الاطباق ووزعت عليهم وبقى هو مدت
يدها له بتردد فأخذه منها وتناول الشوكة وبدأ فى تذوقها ليلوكها فى فمه بتلذذ، كان طعمها حلو بحق حلو لم يتذوق قطعة كيك حلوة مثلها اخذ يُكملها بنهم، انتبه على نفسه أنه أكل صحنه بالكامل ووضعه بإحراج يتلاشى النظر إليها
انقذته مها قائلة:

-بجد روعة انتِ لازم تعلمينى يا روان بقى اتفقنا

ثم تابعت قائلة:

-احنا هنستأذن وإن شاء الله هنستناكم عندنا الخميس
الجاى

توسعت عين طه قائلًا:

-هنروح فين ونسيب الكيكة دي

-يارب صبرنى

تمتم طه بصوت منخفض قائلًا:

-يعنى لا منك ولا كفاية شرك

ثم أكمل بصوت مرتفع وهو يوجه حديثه لروان:

-تسلم ايديكِ على الكيك وعلى الشقة حقيقى كانت مقلب
زبالة

رمقت مروان من فوق انفها، أمتعضت ملامح مروان هاتفًا:

-يلا يا طه قوم امشى

بعد أن وقف على اعتاب الشقة مال طه على مروان قائلًا:

-بس ليها حق الحاجة تصر عليك العروسة قمر

براكين بداخله توحشت عيناه واصبحت قاتمة السواد
كليلة شتوية غاب القمر فيها هتف:

-طه إياك تعيد الكلام دا لحد هنا ومش بقبل هزار

*****

يجلس فى مكتبه يفكر فى كلام طه معه كل الحق
فقد تحول البيت إلى جنة بعد أن كان أقرب إلى
مقلب القمامة، لم يتخيل أبدًا أن تتغيير قناعته عن
الزواج ليندثر تفكيره العقلانى، لتحتل مشاعر جل
منابع التفكير، إذا كانت هذه أبسط واجبات الزواج
فكيف يكون الزواج المكتمل، فقد تجرد من ثوب
البلوغ وتملك منه ثوب الطيش

هز رأسه سريعًا ينفى الفكرة وكلمة عاهـ .رة تسيطر
على عقله بغضب لو بيده لحرقها حية

أندفع الباب بحدة وولجت تنظر له بنيران مستعرة
بغضب تشب وتلتهب بداخلها هاتفة:

-أنا ممكن أفهم الحبس دا هيتفك امته وأنا محبو. ـسة
هنا بتهمة أيه؟!

نهض مسرعًا ليمسك عضدها ويهزها بقوة قائلًا:

-انتِ ازاى ترزعى الباب وتدخلى كدا انتِ فاكرة نفسك
فى زريبة هنا

أحست وكأنها تضاءلت حجمًا أمام ضخامته وكتفيه العريضتين، لكنها هتفت بحدة وكبرياء شامخ:

-ما هى كانت زريبة فعلًا وأنا اللى نضفتها ممكن
انت اللى ترد على سؤالى اخرة الحبس دا ايه

أحتقن وجهه بالدماء بسبب تعمدها إهانته لكنه اجابها
بحدة:

-طبعًا انتِ اللى زيك مش متعودة على قعدة البيوت
عايزة تلفى هنا زى هناك بس هناك كان بحجة الشغل

صدرها يعلو ويهبط بانفعال:

-قصدك أيه باللى زى قصدك إيه
وبعدين ألف يعنى ايه بحجة الشغل، انت ايش عرفك بلف
ولا أروح الشغل، أنت ازاى تغلط فيا كدا أنا مقبلش

-قصدى مواعيد شغلك بتسهل لك كل حاجة وانتِ عارفة
انتِ شغالة ايه؟!

صرت على اسنانها هاتفة:

-انت ليه بتتكلم على أساس أن الممرضة ر قاصة
وبعدين لما أنا كدا انت ايه اللى جبرك فارق وريحنى
وريح نفسك

نفرت عروق رقبته بطريقة مرعبة جعلتها ترتد للوراء
لكنه كان يقبـ .ـض على يدها بقسوة هاتفًا::

-أنا مش بحب الكلام كتير طول عمرى، أى حاجة عايزاها
من بره هاأجبها اى طلبات لكن خروج إنسى، باب المكتب
تخبطى قبل ما تدخلى ولو مسمحتش بالدخول متدخليش
نهائى فاهمة، فاهمة تلألأت الدموع بعيناها وبدت الرهبة تسيطر عليها من هيئته فصرخ بغضب:

-ودلوقتى إطلعى بره

إستدارت على عقبيها وهى تمتم بقهر:

-منك لله مش مسامحاك

******

مع الأيام كانت تذبل كزهرة قطفت دون رحمة، تكاد تختنق
وتمو….ت، إنه ليس لديه قلب، هل ستكمل حياتها حبيسة
لديه، الرهبة سيطرت عليها، هل من الممكن أن تظل
حياتها حبيسة هكذا ليس لها حول ولا قوة

بكت بحرقة هذه ليست حياتها التى تمنتها؛ تمنت حياة بسيطة، تبدأ مع زوجها بركعتين وما أن تنتهى يضع يده على رأسها ليقول دعاء ليلة الزفاف، نهضت من مكانها
بخطوات ثقيلة لتتوضأ كى تصلى كانت هذه الطريقة
الوحيدة لتخفف ثقل روحها، فرشت سجادتها وشرعت
فى الصلاة

أما هو قد أتي من الخارج يبحث عنها بعينه ولم يجدها
وقف أمام باب غرفتها يطرقه عدة مرات ولم ترد عليه، انتظر
ثم انتظر ولم ترد عليه، زفر بغضب وهو يدير مقبـ .ـض الباب
ليجدها تصلى بخشوع

لا يفهم حقًا كيف فرطت في نفسها بسهولة قبل الزواج
يعترف لنفسه أنها تجعله فى حيرة من أمره من تصرفاتها
المتناقضة، هل هى البريئة الرقيقة أما هى مخادعة بارعة

عندما أنتهت هى من صلاتها ألتفتت للباب وجدته يقف
خلفها فنهضت تحدثه بحدة::

-انتِ إزاى تدخل من غير أذنى؟!

اجابها بتجهم واضح:

-خبطت ومردتيش وبعدين انتِ هتحاسبينى

-اه احاسبك مش ممكن انا نايمة، أنت رفضت أنى ادخل
مكتبك من غير إذن إفرض نايمة وواخدة راحتى

دهش من كلامها فتحمحم موضحًا:

-إستغربت انك مردتيش فدخلت

ثم تابع:

-طه ومها مُصرين اننا نروح ليهم فاضطريت انى اوافق
وقولتلهم إننا هنروح ليهم انهاردا جابته بكبرياء وشموخ:

-هو بمزاجك يعنى قررت سجـ .ـنى هيتفك
أنا مش عايزة مش حابة اروح فى حتة، روح انت لأصحابك

اضاف بحزم::

-بقولك أجهزى

-مش بمزاجك

تنفس بعمق وهو يضغط على كفه هاتفًا:

-قدامك ساعتين اعتبريها فرصتك للخروج من البيت

أنهى جملته وهو يستدير للخارج جلست على حافة الفراش
اصبحت هشة للغاية من الداخل والخارج فارغة محبطة لكنها همست لنفسها لا تستسلمى للسلبية والكآبة إنه
إبتلاء وإمتحان خاص وستنجحي به.

*****

بعد مرور ساعة كانت تقف أمامه ترتدى فستانًا باللون الرمادى، وبلفة بسيطة جعلت خمارها الزهرى غاية
فى الجمال الذى كان لونه ينعكس على وجنتيها المليئة
بالنمش فكانت غاية فى الجمال والإحتشام

إقترب منها يشرف عليها بطوله المديد رغمًا عنه شرد
بها، رفعت عيناها ترمقه بهدوء ينافى تآكل روحها من
شدة كبتها للنيران

تجلس بجواره فى السيارة تفتح الشباك رغم برودة الجو
تنظر للسماء وعلى وجهها إبتسامة واسعة الحياة جميلة
بحق، اغمضت عيناها تتنفس بعمق تشعر بحلاوة كل
شئ حولها كأنها المرة الأولى، حتى أن عوادم السيارت
كانت فى أنفها كأروع العطور الفرنسية ظهرت غيوم
تملأ السماء وقطرات الندى تهبط، اخرجت يدها من نافذة
السيارة

كان يرمقها بطرف عينيه وهو يتابع الطريق يشعر بالذنب
نحوها لم ينتبه على نفسه إلا وهو يقول لها:

-اقفلى الشباك هتتعبى؟!

قطع لحظاتها صوته فهى تناست وجوده إستدارت له
هاتفة بسخرية::

-لا وأنت خايف عليا بصراحة أهو تبقى خلصت منى

هز رأسه بيأس وهو يتمتم مستغفرًا:

-استغفر الله العظيم، هو لسانك وردك على طول جاهز

-ممكن تسيبنى أشم شوية الهوا بهدوء

تمتم بصوت خفيض

-يارب أمنحنى الصبر على هذا الإبتلاء الله يرحمك ياريان

****

كانت جلسة هادئة لطيفة لم تخلو من مشاكسة طه وعمار
لكن بنهاية جلس كلا من طه ومروان وحدهما فى الجانب الآخر من غرفة الإستقبال ليناقش أمر خاصة بشغلهما
كانت تنظر له بطرف عيناها يبدو انه شخصية محترمة
محبوبة، حتى أنه مداوم على فرضه لما يتعامل معاها
هكذا؟! هل يعتقد انها نذير شؤوم كما يقول البعض؟! تجمدت مكانها حين ألتقت عيناها بعيناه أخفضت رأسها سريعًا وعادت تكمل حديثها مع مها حتى قاطعها إتصال من هاتف مها وما أن ردت على الهاتف تبدلت ملامحها
هاتفة بفزع:

-ايه حصل إزاى؟!
طب وبابا كويس دلوقتى

هرول إليها طه متسائلًا:

-فى أيه يا مها؟!

-بابا يا طه بيقول جاتلوا جلطة واتحجز فى المستشفى
أنا لازم اروح ليه

-أكيد طبعًا وأنا جاى معاكِ

هزت رأسها بإعتراض قائلة:

-خليك أنت عشان عمار مش هينفع اخده معايا فى الجو
دا

-إزاى تسافرى لوحدك يعنى

تدخل مروان هاتفًا:

-خلاص هأوصلها أنا لحد البلد متقلقش

قاطعتهم روان لتقول بارتباك:

-أنا أخد عمار معايا واستاذ طه يسافر مع مها
أكيد هتحتاجوا معاها فى وقت زى دا

هز طه رأسه سريعًا:

-دا حل كويس حضرى هدوم عمار ويلا بسرعة
أنا هدور العربية تحت

جز مروان على أسنانه يرمقها بغيظ تأخذ القرارات دون
أن ترجع إليه

******

ما أن وصلوا البيت اطلق زمجرة غاضبة من ثغره هاتفًا:

-ممكن أفهم ايه اللى هببتيه دا؟!

-أفندم

قالتها بتشنج وهى تحدق ثم أردفت:

-مافيش إنسانية خالص عندك الست ابوها تعبان
وأكيد هتحتاج جوزها سند ليها فى محنتها مش انتوا
اصحاب بردوا ولا هو حلو إنك تروح تجرى توصلها

قال بنبرة متشنجة وعصبية:

-ألزمى أدبك وحدودك، أنا كل اللى يهمنى أنت قد المسئولية
اللى اتسحبتى من لسانك وفرضتى عضلاتك

-متقلقش انا مربية اخواتى الصغيرين كلهم

قلب عينيه بملل والتو فكه هاتفًا

-انتِ تربى؟!
ما شاء الله مربية إخواتك ربنا يستر على الجيل

انبأها حدسها الأنثوى بسخريته منها، فاجابته:

-اه أنا أربى تحب تجرب ولا خلاص راحت عليك

أقترب أكثر حتى أصبح لايفصل بينهما إلا بضع إنشات
جسده يختض من كلماتها التى اضرمت النـ .ـار فى كل
خلاياه وأصبحت عيناه أكثر قتامة أما هى كان صدرها
يعلو ويهبط برهبة فهيئته أرعبتها لكن قاطعهما صوت
عمار هاتفًا:

-انت هتبوسها يا مروان زى ما بابا بيبوس مها

لا يعلم لماذا نظر إلى شفتاها، كانت نظرة سريعة ثم
اعاد نظره إلى عيناها، كانت نظرة سريعة لكنها سرت
على أثرها رجفة فى أوصالها، فتعالت خفقات قلبها

حدثها بخشونة قائلًا:

-خدى عمار وخشى نامى يلا بسرعة من قدامى

*****

فى اليوم التالى

عاد من عمله مسرعًا باله
ظل مشغولًا على عمار رغم
أن بداخله شئ مطمئن ولا يعلم ماهيته

وما أن ولج سمع اصواتهما أتية من المطبخ فتوجه نحو
المطبخ، وجدها تعد شطيرة (بيتزا) وعمار يتابعها
بشغف، قامت بعمل عجينة دائرية ثم قربتها من عمار
ليضع عليها الجبن أعلاه ثم وضع بعض الخضروات
فقامت بعد ذلك لنقلها داخل الفرن وصفقت بيدها
قائلة: -احلى بيتزا لأحلى عمار

جذبها ليعانقها وهو يهتف:

-بحبك أوى يا روان

ارتسمت بسمة لا ارداية على ملامحه قاطعها عمار قائلًا:

-مروان جه

تبدلت ملامحه وهو يقول:

-مروان كدا حاف بلعب معاك فى الشارع

-يوه بقى تعالى شوف البيتزا

-هاروح اغير واخد دوش وأجيلك

دقائق كان يخرج من المرحاض والمنشفة حول عنقه
فانقض عليه عمار قائلًا:

-شيلنى يا مروان

رفعه مروان للأعلى وهو يهز رأسه بيأس قائلًا:

-مفيش فايدة بردوا مروان، إنزل بقى عشان أصلى العصر

-هاصلى معاك أنا صليت مع روان انهاردا وعلمتنى إزاى
أصلى

انحنى مروان ليسأله بجدية:

-هى اللى قالتلك ولا أنت اللى قولتلها اصلى معاكِ

-هى قالتلى مينفعش راجل زى عمار ميصليش

إبتسم بسخرية وهو يتمتم:

-أنا مستغرب ليه أكيد وقعت ريان كدا

بعد أن انهى صلاته وجدها تخرج من المرحاض بعد
أن ابدلت ثيابها بأخرى جلباب بيتى حريرى يرسم
مفاتنها وشعرها الأسود رابطة لجامه للأعلى وجهها بريئ كبراءة الأطفال نظرت نحوهما بطرف عيناها ثم
توجهت نحو المطبخ منادية على عمار بأريحية:

-عمار تعالى البيتزا طلعت

اسرع عمار خلفها وبالفعل رائحتها انتشرت بالشقة لتغزو انفه فتصدر معدته صوت دليل على الجوع

خرجت روان بالشطيرة الكبيرة ووضعتها على الطاولة
تحت حماس عمار الذى صعد يجلس فوق الطاولة
وأخذ شريحته وبدأ فى أكلها بسعادة نظرت له روان
هاتفة :

-عمار قولنا ايه؟!!

-آه بسم الله، مروان يلا تعالى

-كل انت يا عمار

هبط عمار بسرعة يجذبه من يده قائلًا:

-لأ هتأكل معايا

جلس على المقعد ثم نظر للشطيرة التى امامه فتناولت هى
صحن ومدت يدها له فتناول فى صمت ثم قضمها
فتلوثت لحيته بالجبن وبدأ عمار يضحك عليه وهى
أيضًا مسح لحيته وهو ينظر لها وهى تبتسم باستيحاء
وتنظر له، على رغم أن مروان لم يكن يهتم بالنساء
نهائيًا إلا أن طريقتها تلفت انتباهه

أكمل طعامه ونهض ليكمل عمله في مكتبه وبعد عدة
ساعات سمع صوتهما فخرج وجدها تجلس على
الأريكة وعمار يضع رأسه على ساقيها ويشاهد افلام
الكارتون كانت تشاركه المشاهدة وهى تضحك بضحكة
رنانة، استفزه صوت ضحكتها العالية فخرج مسرعًا
يغلق التلفاز فقطبت حاجبيها ونهص عمار متذمرًا
فحدثه مروان::

-ادخل جوه دلوقتى يا عمار يلا إسمع الكلام أنا مش بهزر

-حاضر

وما أن ولج عمار للداخل نظر لها باشمئزاز وبداخله
غضب كبير يعتريه، حدثها بوحشية وكلمات تخرج
من فمه كأسياط النـ .ـار::

-عمار دا ابن ناس ومتربى وليه أهل يعنى الضحك بالطريقة
دي قدامه غلط وأنه يسهر للساعة ١٢ ونص بالليل دا غلط
أمه ست محافظة وبتنومه زى الأطفال الساعة ٩ بليل
مش لحد دلوقتى، حضرتك انسحبتى من لسانك لازم
تبقى قد المسئولية، عرفتى كنت رافض ليه عشان
ميتعلمش من واحدة زيك نظر مروان إليها بعد أن نفث كلماته التى تحمل القسوة
والإهانة، رمقته بعدم تصديق ودموعها تنهمر على وجنتيها
وضعت يدها على فمها تمنع شهقاتها تهمس بتقطع:

-عملت أأ أيه أأاانا، عملت أيه لكل دا أنا لما دخلت انومه
عيط على مامته فقولت ينسى شوية، أنا مش عايزة
أقعد هنا ثانية واحدة مش عايزة رجعنى البلد وفك
أسرى أنا مش حمل دا كله

أمسك يدها بقسوة وهو يقول:

-هو مش حوار كل شوية أرجع البلد أرجع هارجعك متقلقيش مستعجلة ليه

نظرت إلى يدها فتركها وهو يشعر بغضب لا يعرف
له سببًا، أما هى هرولت إلى الحمام تكتم شهقاتها
تجلس على الأرضية تبكى بحرقة لماذا يكرهها هكذا
لماذا يوصفها دائمًا انها عديمة الاخلاق؟!
ما الذى رأه منه حتى يستنتج مثل هذه النظرية
المخزية عنها، رفعت رأسها للأعلى تناجى ربها هامسة:

-يارب الرضا بالقدر سعادة وأنا طول عمرى راضية
بس خلاص تعبت ومش عايزة الحياة دي يارب

******

خرجت الطبيبة من خلف ذلك الساتر وبعد أن مسحت
المادة اللزجة التى وضعتها على بطنها هاتفة

-مبروك يا مدام انتِ حامل

*****

الفصل الرابع
****
قدرى المر

****

مع أذان الفجر هبط من سيارته فهو يحتاج أن يتحدث
مع خاله، فهو يتسم برزانة العقل والحكمة والقلب النظيف
والدين وما أن انتهوا من صلاة الفجر جلس خلفه
هاتفًا:

-تقبل الله يا خال

استدار وهو فى يده مسبحته التى لا تفارقه ابدًا هاتفًا

-منا ومنكم صالح الأعمال، انت رجعت البلد امته يا مروان؟!

-أنا مرجعتش انا جاى ليك مخصوص

سأله بتوجس هاتفًا::

-خير يا بنى قلقتنى

تنهد بثقل ثم سرد له ما سار معه منذ سفرهم وأكمل

-اللى مجننى أنها فكرانى مش عارف حقيقتها فبتشتغلنى
عاملة نفسها بتصلى وبتعرف ربنا

-طب ما وارد أنها تكون تابت وربك كبير، بعدين انت متعرفش حاجة عن التفاصيل

-تفاصيل أيه بس يا خال بقولك عرفت اللى فيها
هى بتعمل كدا بس قدامى أصل إزاى وهى عاملة
ملاك كدا تعمل كدا، وبعدين المصيبة اللى عملتها
دي ينفع معاها توبة

تنهد خاله قائلًا بجدية:

-ايه يا مروان يابنى مالك
كلنا معرضين للغلط يا بنى وباب التوبة دايما مفتوح
يامروان إللي يغلط يتوب وربُك إسمه الغفور الرحيم

ثم تابع:

-هاتها هنا وسطينا يا بنى واضح أن الحمل تقيل عليك
وبدل ما تشيل ذنب إنك تجرحها بكلمة أو توجعها
والزمام يفلت من إيدك والخير يتقلب شر وبعدين أنت
متجوزها وفى نيتك الستر عليها مش إنك تبقى جلاد عليها دا المفروض أنت تعينها على التوبة مش انت مؤمن بالله

-ونعم بالله

متقلقش يا خال مش هأخلى زمام الأمور يفلت من إيدى
هأقوم عشان ألحق أروح أنا هأبص على امى ويادوب ألحق

وما أن نهض وابتعد خطوتين اوقفه خاله متسائلًا:

-هى إسمها إيه؟!

قطب حاجبيه ثم ارتخت ملامحه وهو يقول :

-روان

ابتسم خاله ثم اطرق رأسه هاتفًا::

-فى رعاية لله يابنى فى رعايته وحفظه

******

طالما كانت بداية أى حكاية إختيار ونهايتها إجبار أما هى
كانت بدايتها إجبار ونهايتها إجبار
بعد عودة عمار لأهله بقت هى على حالها تتجنب الإحتكاك
به تمامًا، رمقت الشقة ملابسه مبعثرة فى كل مكان نهضت
تجمع ثيابه وترتب الشقة، ولجت إلى غرفته فض….ربت
أنفها رائحته توقفت أمام فراشه تنظر إلى قميصه الابيض
فتناولته لتشم رائحته ثم ابتسمت:

-البرفيوم حلو وخسارة فى جتتك

فى الخارج ولج من عمله ينظر إلى باب غرفتها شعوره
بالذنب يكاد يقتـ,ـله لم يغمض له جفن الأيام الماضية
فك ازار قميصه ووقف فى الإستقبال عارى الصدر
عزم أمره سيبدل ملابسه ثم يأخذها بجولة داخل
الإسكندرية ولج يدفع الباب بحدة تزامنًا مع خروجها
فصرخت وهى تغطى وجهها بيدها توسعت عيناه بصدمة اسرع يديرها بهدوء لتواجهه ثم ازاح يدها من على وجهها و مرر يده على وجنتها
كانت بشرتها ناعمة مخملية، لمس بيده النمش الذى
كان دائمًا يُغريه لينظر إليها، أما هى لمساته الدافئة
نظرات عيناه عن قرب ورائحته جعلت الخدر يسرى فى جسدها شعرت أنها لم تمتلك القوة همس لها لأول مرة باسمها:

-روان انتِ كويسة انا مأخدتش بالى مفتكرتش
أنك هنا

شعرت بشئ دافئ يسيل من أنفها وضعت يدها على
انفها وجدت الدماء تسيل من انفها بغزارة اقترب
هو مسرعًا يسألها بلهفة:

-دا دم انتِ كويسة

شعرت بدوار شديد برأسها وقد احست بإقتراب سقوطها وبدأت تترنح وهى واقفة وبالفعل كادت تسقط لولا يد
مروان التى اسندتها هاتفًا:

-روان روان

حمل جسدها الضعيف متوجهًا بها للمرحاض اسندها بيد
وفتح صنبور باليد الأخرى وبدأ يغسل انفها من الدماء
ثم حملها ثانية ووضعها على مقعد وجثى على ركبتيه
أمامها وكادت ترفع رأسها ليتوقف النزيف فهمس لها
بخوف:

-مترجعيش رأسك لورا كدا غلط خليكِ كدا لقدام

وما أن أطرقت رأسها هبطت خصلات شعرها المبتلة
من الماء على وجهها كانت تنافس الليل فى سواده
نهض واقفًا يلملمه ويده تمر بخصلات شعرها فثقلت أنفاسه وغامت عيناه بمشاعر خنفت صدره وبالأخير رفعها للأعلى ككعكة ثم جثى مرة اخرى على ركبتيه
يسألها بلطف:

-إنتِ كويسة؟!

هزت روان رأسها بإيماءة بسيطة دلالة على كونها بخير
ليقول مروان بنبرة متوجسة:

-بجد ولا ننزل المستشفى

-لأ بجد احسن

كان يتطلع لكل أنشًا بها، عنقها الأبيض المرمرى يتحداه
ألا ينظر إليه، غرست اسنانها فى شفتاها وهى ترتجف
فالجو شديد البرودة وهى ملابسها مبتلة كانت مغرية
وشهية حد الجحيم نهض مسرعًا بارتباك فهو بالنهاية رجل
كالبشر وليس محصنًا، ألتقط
معطفه ومد يده به لها، ثم خرج من الغرفة بإرتباك
دقائق وكان يقف أمامها ومعه كوب بها ماء فسألته :

-ايه دا؟!

-ميه بسكر اشربيها عشان الدوخة

تناولتها وهى تنظر لعيناه ونبضات خافقها تزداد لكن هذه المرة ليس خوفًا أو كرهًا، طالت النظرات بينهما وصمت العالم من حولهما

كان هادئًا مسالمًا عكس كل مرة نظرت أرضًا وبصعوبة تلتقط أنفاسها هاتفة:

-شكرًا

ابتسم يسألها بمشاكسة:

-دخلتى اوضتى ليه أوعى تكونى ناوية تفجرينى؟!

لم تبتسم على مزحته لكنه رفعت عينيها تنظر لطوله
المديد والمنكبين العريضين شعرت انها قزمة
بالنسبة له فهتفت:

-أنا بس لميت الهدوم من الريسبشن وكنت بداخلها مكانها

-آه لو كدا تمام، طب أنا جعان أوى

رمقته باستنكار فتابع هو:

– اجهزى هننزل نتغدا برا ، لأنك اكيد مش هتقدرى تعملى
أكل وانتِ دايخة كدا

-لأ لأ أنا كويسة الحمدلله

فرك فروة رأسه قائلًا:

-الله اُمال مين اللى هوسنى كل يوم عايزة أخرج
يلا اجهزى بسرعة وخلينا نروح نأكل انا جعان اوى

ثم ابتسم بهدوء قائلًا بمغزى وبقع الدماء تلطخ اطراف قميصه:

-أنا محتاج اغير لو مش هتخرجى خليكِ وأخرج أنا

اتسعت عينيها بصدمة كان يقف عارى الصدر وهى تجلس
امامه دون أن تنتبه كان يشبه ملكاً فرعونيًا بوقفته هذه
أخفضت بصرها ثم أجابته بتعلثم وهى تهرول للخارج:

-غير براحتك غير أنا ماكنتش واخدة باللى

******

تجلس معه فى مطعم على البحر وخمارها الرقيق يزيد
جمال وجهها، تنظر للبحر بسعادة بينما هو يتكئ للخلف
على مقعده يطالعها بنظرات متفحصة يتابع كل حركاتها
ونظراتها عيناه مثبتة على النمش الذى يملأ وجهها
ابتسمت وهى تنظر للبحر ثم إستدارت تنظر أمامها
تفاجأت من نظراته التى أربكتها وزلزلت كيانها فأطرقت
رأسها فتحمحم متسائلًا:

-هتأكلى أيه؟!

هزت رأسها بالنفى هاتفة :

-لأ أنا شبعانة

-هو يعنى مينفعش أقول حاجة من غير ما تعترضى

اجابته بسخرية وقد اخفت غضبها:

– انت حابسنى ومش عايزنى أعترض ومش فاهمة ليه
واخد موقف عدائى منى؟!

أطبق شفتاه على بعضهم حتى ابيضت هاتفًا:

-أنا نفسيتى مش مظبوطة عشان مو….ت الله يرحمه ريان

أطرقت رأسها فى حجرها وتمتمت:

-الله يرحمه

نظر لها بتفحص لا يبدو عليها الحزن على اخيه على رغم
ما كان بينهما حاول كبح غضبه وسألها:

-هتاكلى ايه؟!

-بصراحة انا مش باكل سمك

رمقها بإستنكار

-فى حد مش بيحب السمك دا أكلتى المفضلة

اجابته بهدوء وهى تنظر للبحر

-بالهنا والشفا أنا مش جعانة

فى لحظة إستقام هامسًا:

-قومى يلا بينا

اسبلت رموشها بحزن وهى تقول:

-احنا ملحقناش قومى

-طب مش هتاكل

جذبها من يدها ارتجف قلبها وتغيرت وتيرة خفقاته يده كانت تضغط عليها لكن ليس بقسوة

بعد مرور عدة دقائق اخرى كانوا يجلسوا فى مطعم اخر على البحر ايضًا لكنه مطعم للمشويات نظرت له بإحراج

-شكرًا، كلفت نفسك أنا كنت هااكل لما أروح

رمقها بصدمة ثم اجابها:

-كلفت!!
اوعى تكونى فاكرة انى مش بنزلك عشان الفلوس

وجدتها فرصة لتلطيف الاجواء بينهما فعقدت حاجبيها هاتفة بمشاكسة:

-الصراحة أنا متأكدة

-لأ طبعًا

وقف النادل يضع الطعام أمامهم وما أن انتهى رفعت بصرها إليه هاتفة بعفوية:

-شكرًا

بادلها بابتسامة قبل أن ينصرف هاتفًا:

-بالهنا والشفا

توحشت نظراته وغضب يشع من كل جزء بجسده عيناه
توحى أنها تجاوزت الحد تمامًا حدثها بنبرة تشبه فحيح
الأفعى:

-هو انتِ متعرفيش أنك لما يكون معاكِ راجل عينيك
متترفعش واللى كنتِ متعودة عليه قبلى انتهى انتِ
على ذمة راجل فاهمة

لمعت الدموع بعيناها؛ دموع قهر تزورنا فى اوقات غير
مناسبة:

-أنا أول مرة أكل برا وأُحرجت لما هو نزل الأكل فقولت كدا، يعنى أنا مش متعودة على حاجة

تقبـ .ـض على كفها، تذم شفتيها لتكبح نفسها من البكاء
والدموع تملأ عيناها، كل حركاتها زلزلت غضبه فسألها
بلطف:

-يبقى لازم تتعودى، بس ليه أول مرة تأكلى برا

-مابحبش أكل الشارع بقرف منه

أنهت كلامها واشاحت بوجهها الجهة الأخرى فتحمحم قائلًا

-المكان هنا نضيف متقلقيش وكلى بقى

-أنا عايز أروح

-تروحى!! أُمال مين اللى هوسنى عايزة اخرج أنا مش
محبو. ـسة

رمقته بطرف عيناها ثم نظرت للبحر دون أى كلمة فتابع
هو:

-تعرفى بقالى يومين مكلتش وجعان اوى لو قمنا دلوقتى
ذنبى فى رقبتك

التو ثغرها ثم بدأت فى تناول الطعام فى صمت تنهد مروان بخفة قبل أن يتناول الطعام مُغمغمًا:

-الأكل طعمه حلو

لم ترفع عيناها هاتفه:

-اكلى طعمه أحلى

صمت مطبق وكل منهما يلوك اللقمة فى فمه، كانت تنظر
إلى البحر فتنهد هاتفًا: -بحر اسكندرية يسحر خصوصًا فى الشتا

تناولت محرمة ورقية ومسحت يدها ثم عدلت وضع حجابها هاتفة:

-دي حقيقة شكله يـ,ـخط،ـ,ـف القلب

ثم تابعت

-هو انت ليه يعنى عايش هنا لوحدك

-أنا شغل ابويا كان هنا وجامعتى كانت فى الاسكندرية
ولما تخرجت ابويا قالى شيل انت بقى المسئولية
ومن يومها بقت حياتى البحر والشغل

سألته بإندفاع هاتفة:

-يعنى بحر وشغل بس

لعنت نفسها وأنبتها على استفسارها، نظر لها بعينين ثاقبتين ثم أجابها:

-شغل وبحر بس

اطرقت رأسها تشعر براحة طفيفة وبداخلها شئ لم
تعجبها اجابته رغم انها كانت اجابة متوقعة فهو يشبه
دب العسل فى تصرفاته الهوجاء فمن تقبل به، ابتسمت
بداخلها بسخرية، تناقض نفسها هاتفة الكثير يكفى رموشه الكثيفه فهو رغم أنه بشرته خمرية ألا انه يخـ,ـطف الانفاس
تحمحت وهى تنفض هذه الأفكار قائلة

-طب بما أنك عزمتنى على الغدا انهاردا أنا عزماك بكرة

قهقة وهو يستند بمرفقيه على الطاولة الزجاج:

-عازمانى؟!

ابتلعت ريقها بتوتر تنازع إرتباكها وتوترها أمام سطوة ضحكاته وحضوره القوى هامسة:

-أه

-وأنا موافق

قال جملته بهدوء وصوته الخشن كمن يقدم فروض الولاء
والطاعة

****

فى اليوم التالى

بعد أن عاد من عمله جلس على طاولة الطعام ينتظرها
وضعت أمامه الصحون وهى ترمقه بتحدٍ، اغمض عيناه
ورائحة محشو ورق العنب تغزو خياشيمه بضراوة،
رائحة ذكية، هجم على صحنه وانهاه فى غضون
دقائق وضعت له الكثير فى الصحن، وما ان انتهى
كان يتنفس بصعوبة كانت تنظر لها بترقب متسائلة:

-ايه رأيك؟!

لَمِ المكابرة اجابها بكل صراحة:

-مش حلو

قطبت حاجبيها وتهدلت اكتافها بحزن فاسرع يقول::

-جبار

ابتسمت بإتساع وهى تسأله ثانية:

-بجد

-‏جدًا وأنا بصراحة مش عارف كلت كل دا إزاى

أسبلت أهدابها وهى تقول:

-بالهنا والشفا

شعرها الأسود الطويل المتهدل على جذعها والنمش
الذى يملأ وجهها هيئتها شهية مغرية، تنحنح مروان
نافضًا عبث شيطانه كيف يحدث ذلك هو الذى عاف النساء؟!

بنبرة صوت رخيمة اجابها:

-شكرًا تسلم ايديكِ

نكست رأسها بخجل فهبطت احدى خصلاتها وكأنها تشاركها خجلها ونهضت مسرعة

كانت تقف فى المطبخ تشعر باضطراب روحها التى تعبث
طربًا من كلماته، لكنها حاولت أن تهدأ نفسها هاتفة:

-عادى دا جوزك والمفروض دا اللى يحصل واكتر ياروان
إهدى إهدى

بعد قليل أحضرت القهوة وتوجهت إليه تضعها أمامه فنظر
لها والصمت ثالثهما فتناولها يرتشف منها وكان ألذ كوب
قهوة تذوقه بحياته جعله يشعر بإنتشاء ثم سألها:

-فين القهوة بتاعتك

-مش بشرب قهوة

-أُمال عملتى قهوة ليه؟!

احابته باستيحاء وهى تخفض رأسها::

-اصلى بشمها كل يوم الصبح وبالليل وانت بتشربها وعرفت
انها كل يوم لازم

أرتعشت ابتسامة مروان ثم نهض واقفًا:

-تصبحى على الخير

هكذا ببساطة يذهب لينام ويتركها الحجر الصوان ارق منه

*****
بعد ثلاث اسابيع

تقف فى المطبخ تحضر فطور هادئ بيض وفول كما
يفضله والعديد من انواع الجبن وكوبايين احداهما
شاى والأخر قهوة

كان يقف يراقبها وهى تعد الفطور بخفة كانت ترتدى
منامته الصفراء ذات حواف سوداء، لقد تعلق
بوجودها معه

وكأن شئ خفى نادي عليها كى تلتفت للخلف بابتسامة
هادئة همست:

-صباح الخير

-صباح النور، قولتلك مفيش داعى تتعبى نفسك فى
الفطار أنا بفطر مع طه

-أنا متعودة اصحي بدرى اصلا وبفطر بدرى من قبل المستشفى

-ليه دخلتى تمريض

عبست ملامحها وهى تجيبه قائلة:

-دخلته بمزاجى وكنت حابه المجال

حفظ حركاتها عن ظهر قلب، اصبح يعلم متى تكون
سعيدة أو متحمسة أو حزينة أو تشعر بالملل فقط
نظرة واحدة يستطيع فهمها فتحمحم قائلًا:

-دا سؤال عادى على فكرة

اجابته بحدة:

-لأ مش عادى كل شوية تلميحاتك أنها شغلانة مش
كويسة دا انت ناقص تقول ر.اقصة، على فكرة كل
مهنة فيها الحلو والوحش ومهنتنا دي أطهر وانبل
مهنة بس لكل قاعدة شواذ ودول بقى أقلية بس
طلعت سمعة على المهنة كلها

هز رأسه بالنفى ليصحح فكرتها هاتفًا:

-الفكرة كلها أنا بس بعترض على مواعيدها عشان بنت زيك ممكن تسهر وتبات برا

-ولما واحدة تبقى تعبانة بالليل وتروح المستشفى هو
الدكتور هيقعد طول الليل جنبك إحنا اللى بنقعد وبندى
العلاج وفى الآخر يتقال دي يا عم ممرضة

ثم تابعت:

– الفطار اهو عن إذنك

مرت من جنبه لتجاوزه لكنه أمسكها من معصمها
هامسًا امام عينيه:

-أنا مقصدتش حاجة غلط صدقينى أنا عندى
تحفظ على السهر بالليل مش أكتر

ثم تابع

-هو حد يحضر الفطار لحد وينكد عليه ياروان

نزعت يدها هاتفة:

-أنا مش نكدية

أنهت جملتها وأنصرفت من أمامه فكان ينظر فى إثرها
عينيها السوداء وشعرها الناعم المنسدل خلف ظهرها
تشبه زهرة تتفتح فى مقتبل الربيع، لم يفكر بامرأة
هكذا من قبل همس وهو يحك مؤخرة رأسه:

-لأ نكدية وربنا يستر من الجاى

******

-يعنى أيه مش هتفطر معايا الجواز غيرك يا مارو

كانت هذه كلمات طه، فأردف مروان:

-سيب مارو اللى فيه مش فى حد

إبتسم طه وهو يقول بخـ .ـبث:

-مالك ياض أوعى تكون هنجت فى أول الجواز وفضحتنا

-ما تلم نفسك دا انت أب والمفروض تكون عقلت

تنهد طه وهو يقول له:

-وعلى سيرة الأب روان بجد خلت عمار متعلق بالصلاة
جدًا، ربنا يباركلها دا غير الأذكار اللى حفظها أنا بقيت
مكسوف من نفسى وهو بيقولى الحاجات دي كلها
بصراحة يابختك بيها هو الكمال لله وحده بس هى
عندها كل مقومات الزوجة

حاول مروان ضبط أعصابه لكنه لم يفلح فصرخ به:

-ما خلاص بقى يا طه

توسعت عين طه بصدمة شاعرًا بالإحراج ثم اجابه::

-فى ايه متعصب ليه دا أنا قصدى خير ولا أنت دماغك
راحت فين

هز مروان رأسه بالنفى

-عارف عارف بس أنا أعصابى تعبانة شوية

صمت طه قليلًا ثم قهقة بصخب وهو يقول:

-أنتِ خلبوصة بتغييرى

جز مروان على أسنانه فنهض يلملم اشياءه هاتفًا تصدق
إنى غلطان انا ماشي وأبقى شيل الشغل انت

******

سمعت إذان الفجر

نهضت مسرعة تقف خلف الباب تراقبه كعادتها فى الأيام
السابقة وهو يصلى إبتسمت بسعادة عندما رأته يخرج من المرحاض ويمسح وجهه بالمنشفة ويتمتم بالأذكار
اغمضت عيناها وهى تضع يدها على قلبها الذى
تتسارع نبضاته لا تصدق نفسها كيف تنتظر وقت
صلاته لتختلس النظر إلى عيناه التى افقدتها صوابها
لكنه غامض بالنسبة لها، لكنها لا تنكر أيضًا شعورها
بالأمان كلما كانت جواره خصوصًا الأيام الأخيرة
كان يعاملها بلطف، ربما مشاعرها هذه إحتياج ليست
أكثر، فهو حتى إسمها لا يناديها به، تنفست بعمق
ثم فتحت باب الغرفة وخرجت ليأتيها صوته الرخيم
محدثًا أياها بهدوء: -صباح الخير، عاملة اية؟!

أمتعضت ملامحها نفس السؤال السخيف كيف حالها
كيف سيكون وهى تعيش مع دب العسل تود أن تمد
يدها كى تخنقه، عندما لم تجيبه همس لها:

-روان

كانت تتذوق حلاوة إسمها من بين شفتاه، تشعر أنها إنقطعت عن الواقع وسحبها لعالم الأحلام
هاتفة:

-صباح الخير، الحمدلله

كان ينظر لإبتسامتها الناعمة مع الضوء الخافت عبقت
صدره بسحرها كسحر أغنية قديمة لحنت على العود
احمرت خجلًا ثم تجاوزته تذهب للمرحاض، كالعادة
ترتدى عباءة مخملية ترسم مفاتنها ببراعة، غير عابئة
بوجوده أو نظراته ، وكالعادة كان مدخل للشيطان
فابتسم بسخرية، كيف يفكر كالأبلة لابد أنها تفعل
كل ذلك لتوقعه فى شباكها..

بعد أن أنهى صلاته سمع صوت هاتفه فتوجه ليجيب
ليجده خاله:

-عامل أيه يا خال؟!
مالها أمى؟! طب مسافة السكة

خرجت من غرفتها وهى ترتدى إسدالها تسأله بفزع:

-فى أيه مالك؟!

-امى تعبانة إجهزى هننزل البلد

*******

قاسية تلك الذكريات التى نحاول أن نمحيها وهى
تحارب كى تبقى معنا

أشرقت الشمس وجدت نفسها تقف أمام باب ذلك
البيت مرة اخرى، لا تدرى إلى اين تذهب أو ماذا
تفعل كل ما تشعر به غصة كادت تزهق روحها

بعد أن تقدم خطوتين أستدار يرمقها وهى تقف
كالتمثال الصخرى، فسألها بإستنكار

-واقفة عندك كدا ليه؟! يلا تعالى

أومأت مقاومة غصتها ثم تحركت خلفه، هزت رأسها
بقوة لتطرد تلك الذكرى وكى تمنع نفسها من الإغراق في التفكير ، فتح مروان باب البيت
ودخل بهدوء وعينيه دارت بالمكان فوجد خاله يجلس
على أريكة خشبية فى مقابل الباب فاقترب منه مسرعًا
يسأله بقلق:

-مالها أمى ياخالى

-بخير يا بنى الحمدلله، سكرها وطى فجأة جِبنا الدكتور
ودلوقتى بقيت احسن متقلقش

رمق خاله التى تقف خلفه منكسة رأسها والحزن يملأ
عينيها فابتسم بهدوء قائلًا:

-حمدلله على السلامة يا بنتى

-الله يسلمك يا خالى

تحرك مروان من امامهم هاتفًا:

-هاطلع أشوف أمى يا خال عن إذنك

دقائق من الصمت الحزين قبل أن يقول لها:

-تعالى يا بنتى أقعدى واقفة ليه

هزت رأسها بإبتسامة هادئة لا تغادر وجهها طول فترة
حديثهما، بعد لحظات ربما دقائق كان يهبط مروان من
الأعلى هاتفًا:

-لقيتها نايمة مرضتش اصحيها

-طب كويس خد مراتك وعرفها طريق اوضتك وريحوا
من الطريق ولما تصحى ابقى روح لها

قلبها كان ينبض كالطبول الإفريقية من لفظه كلمة (مراتك) أول مرة تستشعر حلاوة الكلمة، بينما هو
كان يقف ينظر إلى خاله كعامود إنـ .ـارة خرسانى
لا يتحرك، ابتلع ريقه هاتفًا:

-احنا هنسافر تانى اصلًا

-هتسافر تانى وتسيب أمك أكيد محتاجالك
اطلعوا يا بنى ريحوا فى اوضتك وبعدين يحلها
حلال

تنهد مروان وهو ينظر إلى خاله بلوم وعتاب ثم وجه
حديثه إليها

-تعالى معايا

صخب من المشاعر العاتية تجتاحها، اصطبغ وجهها باللون الأحمر فتوهج خديهها بالنمش خاصتها اشاح مروان برأسه بعيدًا يعرض عن اضطراب روحه التى يعبث
بها النمش الذى يملأ وجنتها وأنفها

ولجت للغرفة وهو خلفها كانت توزع نظرها فى كل زواية
حتى تحمحم هو فاستدارت تنظر للأعلى وكأنها لا تستوعب الهيئة الضخمة الواقفة امامها

اشاحت ببصرها عنه ولازالت تدور بعيناها فى الغرفة
كأنها تتحاور فى دهاليز عقلها، فاجابها هو بصوت عالى:

-هنضطر نقعد فى اوضة واحدة هى مسألة يومين
اطمن على أمى وبعدين نمشى

-وليه؟!

قطب حاحبيه مستنكرًا ماذا تقصد:

-هو أيه اللى وليه؟!

-ليه يومين ونمشى ما تخلينا فى البلد

-مش وقته الكلام دا أنا هنزل تحت اروح أصلى مع خالى

****

بعد مرور ساعتين خرجت من غرفتها لتذهب لغرفة والدته
فوجدتها تنظر للسقف فأبتسمت بهدوء وتقدمت نحوها
هاتفة::

-عاملة ايه دلوقتى؟!

-الحمدلله على كل حال أهى أيام لحد ما اروح للغالى

قاطعتها وهى تربت على يدها:

-ربنا يبارك فى عمرك ويخليكِ لينا

دقائق وكان يدخل مروان وخاله وزوجته و ما أن ولجوا
نهضت واقفة فاقترب مروان يقبل يدها::

-كدا يا ست الكل تقلقينى عليكِ

-حمدلله على السلامة يا حبيبى

رفعت بصرها لزوجة اخيها هاتفة:

-جيتى ليه يا سعيدة أنا عارفة إنك تعبانة وعذرك معاكِ

-هاجى لأغلى منك؟!

أقترب زوجها يربت على كتفها هاتفًا:

-معنديش أنا اغلى منكم

إبتسمت والدة مروان بوهن هاتفة:

-لأ كلنا عارفين أن مفيش اغلى منها

اطرقت زوجته رأسها بخجل التى بدت فى عقدها الخامس
كانت روان تراقب ذلك الرجل وهو ينظر لزوجته بكل عشق
رفعت نظرها لمروان هو لم ينظر لها كما ينظر ذلك الرجل
لزوجته، رفع بصره ينظر إليها فتلاقت نظراتهما لكن
سرعان ما أطرقت رأسها بقلب ملكوم، كان خاله يراقبهما
فتنهد قائلًا:

-سبحانه يا اختى بيحط الأسباب وبيؤلف بين القلوب فى غمضة عين

استأذنت تفر من امامه متهدلة الكتفيين بحر عينيها
مرهق بعذاب اضناه، أما هو عيناه كانت تراقبها يشعر
بالعجز ولا يعلم ماذا يفعل

هز خاله رأسه بأسى فاإبن أخته نظراته كالمتلهف الذى
ينتظر حبيبته

****

فى المساء

-مالك؟!

كانت هذه كلمات مروان وهو يسألها عن حالها فهى تبدو
على عكس طبيعتها فى الأيام السابقة، أما هى كانت تريد
أن تصرخ به لماذا يمقتها، يعاملها كالمنبوذة ولم يكمل
زواجه بها هل ينتقم لمو…..ت أخيه، لكن ما ذنبها هى
أغمضت عيناها وهى تجيبه بصوت متحشرج

-ماليش بس قلة نوم

-طب نامى تحبى أطفى النور أنا هاكون هنا على الكنبة

حاولت كبح دموعها وهزت رأسها فى صمت وتوجهت
على الفراش وأنكمشت على نفسها ثم دثرت نفسها
بالأغطية، كان يرمقها بقلق تبدو مريضة ظل كما هو
على جلسته حاول أن يقاوم نفسه لكنه لم يقدر
ونهض واقفًا يتحسس جبهتها خوفًا أن تكون
حرارتها مرتفعة، ولم يقاوم نفسه ومد يده يتلمس
النمش الذى بوجهها، ابتعد كمن لدغته عقربة
وهو يتمتم مستغفرًا، هالتها الملائكية ستجذبه
إلى الفخ كما فعلت مع اخيه.

*****

مدت روان يدها بالصحن لحماتها فازاحته هى بقسوة هاتفة:

-انتِ مابتفهميش قولتلك مش عايزة حاجة من خلقتك
ولا ناوية تجيبى أجلى زى ابنى

توسعت عيناها بصدمة هاتفة:

-أنا أنا، طب ليه كدا؟! وأنا مالى

-بلا مالى ومش مالى خدى الأكل دا واطلعى بره سيبينى فى حالى

خرجت من عندها مندفعة وشعرها الطويل متهدل على
جذعها وحجابها المهلهل حول رقبتها وما أن رأها هو
جن جنونه، فسحبها من يدها كالماعز غير عابئ بتعثرها
وما أن ولج صرخ بها بعصبية: -الهانم ماشية فى البيت وفردة شعرها عادى

اجابته بحدة وداخلها يحترق:

-عادى هو البيت فيه مين اصلا غيرك

صرخ بها وهو يقبـ .ـض على معصمها:

-فى خالى والبيت بابه مش مقفول ممكن اى حد يدخل
عيال خالى أى حد يجى، انتِ عاملة تعرفى ربنا وكله تمثيل فى تمثيل

ألم وقهر انتابها من معاملته الجافة، كلماته السامة
جعلتها تنفجر لم تعد تحتمل أكثر، خبطت على صدرها
بحرقة ودموعها تسيل على وجهها هاتفة بمرارة:

-بتعمل معايا كدا ليه ها؟! بتعملوا معايا كدا ليه؟!
انت اتجوزتنى ليه؟! عشان تنتقم لمو….ت أخوك صح
كنت مو,,,,تنى وريحتني احب اقولك أن دا قضاء وقدر
وأنا ماليش ذنب فيه

فقد سيطرته وانهارت حصونه أمام دموعها إندفع يكتم شهقاتها بشفتاه ليمنعها من الكلام احاطها بذراعه يضمها
إليه، مغمض عيناه متنفسًا رائحتها، شدد يده حول جسدها الرقيق، ويد الأخرى أزال حجابها وهو يمرر يده فى خصلاتها

تفاجأت من فعلته لكنها لم تستمر كثيرًا فى صدمتها وتجاوبت معه وبادلته القبله بوجع، وما أن انتبهى على وضعهما انتفض كالملسوع بعيدًا عنها صارخًا:

-ابعدى عنى ابعدى، كنت عارف أنك رخيصة وعايزة توصلى لكدا ودا كل هدفك

******

-لأ ما أنا مش هسكت بقى كدا الوقت بيجرى منى وهتفضح

تلك الكلمات قالتها الفتاة وهى تحدث ذلك الشاب الذى
معاها ثم تابعت تسأله:

-أنت قولتلى اخوه جه البلد؟!

-ايوة؟!

-يبقى هو الحل فى المصيبة دي

*****

الفصل الخامس
★★★
قدرى المر
“*”

تضم ركبتيها إلى صدرها، تنتفض بألم والذكرى تجتاحها، وجع ينتشر بروحها وعقلها طـ .ـعنة مخزية فى كبريائها وأنوثتها، هى بادلته قُبلته ونسيت
وضعهما الحقيقي، لحظة وما هو وضعهما الحقيقي؟!
اغمضت عيناها وهى تكتم شهقاتها تشعر باشمئزاز من
نفسها، شعور الذل والهوان يجتاحها

نهضت متوجهة للمرحاض وقفت أمام المرآة تشعر انها
منبوذة، غسلت وجهها بالماء لكنها لم تستطع أن تقاوم
إنهيارها وجلست فى أرضية المرحاض تبكى بكاء
مرير، وجع طاحن بقلبها

ضاقت بها الحياة لتشعر أن العالم كله يرفضها منبوذة، وكأن قدرها أن تبقى روح بلا مأوى

*******

يشعر بإختناق بسبب ضعفه وبسبب جرحها حمله ثقيل مسح وجهه براحة يديه يشعر بالتعب فمنذ أن توفى أخيه
يشعر أنه بدوامة ولا يعلم متى الخروج؟!
لا يعلم كيف انقض على شفتاها هكذا دموعها والنمش
الذى بوجهها جعله كالسكير

سأله خاله وهو ينظر إلى ملامح وجهه المجهدة أول مرة يرى أبن أخته بهذه الحالة:

-مالك يا بنى؟!

كتم أنفاسه بقوة يا لله هذا الكلام كيف ينطِق به ضاقت
دنياه بما رحُبت:

-تعبان ياخال

بتلك اللحظة كانت تهبط من الأعلى شعر بها رفع عينيه لها
فتلاقت عيناه بنظرة زلزلت كيانه إرتعدت أوصاله بعد
أن كانت تجمدت لفترة وما أن وقفت أمامه وهتفت:

-أنا عايزة أروح عند أهلى

سألها مسرعًا بإرتبارك:

-هتروحى لأهلك ليه؟!

ابتسم خاله وهو يهز رأسه ثم تدخل هاتفًا:

-وماله يا بنتى تروحى لأهلك وتقعدى معاهم
يومين

-لأ

أجابه خاله :

-متقلقش والدتك بقت بخير وهى تقدر تروح يا مروان
اسمع الكلام روح وصلها وتعالى عايزك

وما أن خرجوا من باب المنزل سحبها من يدها هاتفًا:

-أنا مبحبش حد يلوى إيدى فاهمة، المفروض كنتِ
سألتينى أنا الأول

نظرة عتاب تبقى أقوى من الكلمات إنطلقت من عيناها لصدره أحرقته بنيرانها، فنظر فى عيناها كانت كورقة ذابلة تهاوت من غصنها فهمست بتقطع:

-طلقنى

كل إنسان منا على نفسه بصيرا، يعلم ما يجول فيها
مهما ادعينا العكس، او أنكرنا المعلوم، جميعًا ضعاف أمام
ماتخضع له قلوبنا، نعلم مواضع ضعفنا جيدًا
همس لها:

-قدامي على العربية ولما ترجعي نتكلم

**** كانت طوال الطريق منطوية عنه، تنظر بعيناها للناس
التى تسير فى الشوارع، تُرا هناك من يعانى مثلها أم
هى الوحيدة التى تعانى فى هذا العالم، أغمضت عيناها بحرقة كان يراقبها وقلبه
يرفرف بداخله كالطير المذبوح، وما أن توقفت
السيارة هبطت منها مسرعة دون أن تلتفت إليه
يود أن يلحقها لكن ماذا سيقول لها، خبط على
المقود عدة مرات ثم انطلق بسيارته يسابق
الريح، لا يعلم إلى أين يذهب؟! قلبه يعتصر
لألمها ولشعورها بالخزى، توقف بسيارته ثم
أستند برأسه للخلف على مقعد السيارة يشعر
بثقل على صدره ثم حزم أمره ونزل من سيارته
وطرق الباب الذى أمامه لحظات وكان يفتح له صديق
أخيه المقرب

-مروان، حمدا لله على سلامة جيت امتى؟!

-من يومين، إسمع يا رامى عايزك فى خدمة كدا
بما إنك كنت قريب لريان الله يرحمه اكتر منى

-الله يرحمه أؤمرنى

تنهد مروان ثم حدثه بشئ من الإرتباك:

-أنت تعرف عنوان المستشفى اللى كانت شغالة فيها الجماعة

سأله ببلاهة:

-جماعة مين؟!

-فى أيه يا رامى مالك ماتركز معايا، هتكون جماعة مين
جماعتى مراااتى

تحمحم رامى وهو يفرك رأسه ثم اجابه:

-الصراحة مش فاكر أوى بس أنا عارف المكان كدا بالشبه تخاطيف بس ادينى كدا لحد بالليل وانا هعرفلك العنوان بالظبط

ربت مروان على كتفه وهو يتحرك قائلًا:

-طب متتأخرش عليا

استقل سيارته مرة اخرى متوجهًا للبيت

*****

-يا بت مالك من ساعة ما جيتِ قاعدة كدا جوزك زعلك
ولا حاجة، بس إزاى دا كل اللى يقابلنى يقولى يابختك
بجوز بنتك دا راجل ولا كل الرجالة، ابن حلال وطيب ويعرف ربنا

تلك الكلمات قالتها والدة روان، أما روان لم يكن ردها
سوى دمعة، ثم اخرى، تلاها اِنفجار في البكاء

ض…ربت أمها صدرها هاتفة بتوجس:

-يا بت مالك طمنينى عليك ايه العياط والحزن دا كله أنا أمك فضفضى وطمنينى

أجابتها روان من بين شهقاتها:

-يعنى لو قولتلك عايزة اطلق هتقفى معايا وتساعدينى

-طلاق!!
طلاق ايه بعد الشر والله دي عين ومسكتك من ساعة
ما قولتى يا جواز، بعدين يا بت الراجل ومراته بيحصل
بينهم كتير فى أول سنة جواز وبعد كدا يولفوا على
بعض وإن كان زعق ولا شخط اهو الرجالة كلها كدا
والله عين أنا هاقوم أجيب البخور وأبخرك

ضاقت نظراتها والألم يتضاعف بداخلها اغمضت عيناها
بوجع وهى تسترجع تلك الذكرى تتذكر اعين الجميع
التى تشع غيرة وحسد بسبب زواجها، لا يعلمون كيف
يعاملها تمنت فى هذه اللحظة ان تنهى حياتها، وتنحر
شريان حياتها وتنتهى لم تجد لأوجاعها مأوى وضاقت
دنياها، أستغفرت ربها سريعًا ونهضت مسرعة صوب
المرحاض لتتوضأ وتصلى وتتضرع لخالقها *****

فى اليوم التالى

وقف وسط الأراضى الزراعية يصرخ فى العمال بحدة
حتى جاءه صوت من خلفه:

-مروان

استدار ليجده خاله، مضى نحوه :

-عامل ايه يا خال؟!

-بالراحة يا مروان مالك طايح فى الكل

تنهد وهو يجلس بجانبه:

-هما كانوا مش بيشتغلوا اصلاً ودا اللى خلانى زعقت

جاء أحد العمال واضعًا أمامه القهوة فتناولها مروان
يرتشف منها فتبدلت ملامحه هاتفًا:

-شيلها، شيلها خلاص مش عايز

سأله العامل بحزن:

-ليه بس دي رابع مرة اعملها

-البن طعمه مغير غير بتاع إسكندرية

ربت خاله على كتفه متسائلًا:

-مراتك رجعت ولا لسه؟!

-لسه هى اصلًا طلبت الطلاق

ابتسم خاله وهو ينظر امامه قائلًا:

-طب يبقى جت منها وكدا تطلق ومهمتك تمت على الخير

رمقه بإستنكار هاتفًا:

,-يعنى أيه دا لسه مكملناش كام شهر لما نتطلق الناس تقول عليها ايه

-انت كانت نيتك الستر ليها واهو عملته، وبعد كدا
عاشروهن بالمعروف ودا انت مش عارف تعمله يبقى
تشيّل نفسك ذنب ليه؟!

-أنا هتجنن يا خال إزاى تفرط فى نفسها بالسهولة دي طب ما ريان كانت نيته جواز ليه تفرط كدا بقى دا يرضى
ربنا اللى بتصلى عشانه ليل نهار

رفع خاله كتفاه بدليل عدم المعرفة هاتفًا:

-الله اعلى واعلم بس انت سألتها عن السبب

-لا طبعا مش هستحمل اعرف حاجة زى كدا

-مش هتستحمل؟!!

اجابه بتوتر قائلًا وهو يقول عكس ما بداخله:

-اه مش هاستحمل اسمع أن اخويا عمل كدا وهو بقى عند ربنا دلوقتى، مش هاستحمل اسمع الكلام

نهض خاله واقفًا وهو يقول:

-طب يا ابنى ربنا بيقبل التوبة وإذا كانت هى عرفت
غلطها وقررت تصلحه حقها فرصة، والحمدلله انت
عملت معاها كدا، دلوقتى تقدر تفارق مرتاح البال وربنا يجعله فى ميزان حسناتك

انصرف خاله فوضع رأسه بين راحتيه حاول الابتعاد
وأن لا يقع فى شباكها كما حاول التماسك وعدم النظر إليها، كم كان قاسيًا، كان يذكر نفسه أنه كان يريد
رضا الله عليه، وستر مسلم، فقط كان يعذب نفسه ويجلدها لكن هى من راودته بتصرفاتها الهادئة

*****

مر يومان

مر يومان ولم تأتى كل هذا الوقت منذ أن تركها أمام
بيتها حتى أنها لم تتحدث بكلمة بل احقاقاً للحق قالت
قالت انها لن تعود ثانية، وعليه الإسراع فى الطلاق

يقف الآن امام بيتها يقنع نفسه أنها يجب أن تبقى
تحت عيناه دائمًا هى ليست اهلًا للثقة فرك وجه
من صراعه الداخلى حرب ضارية تنشب داخله
الآن حزم أمره وهبط من السيارة متوجهًا نحو البيت

بالداخل

تجلس أمام الشرفة منكمشة على نفسها وامامها فنجان
لا تشرب القهوة وليس مزاجها بها لكنها أدمنت رائحتها
التى ترتبط به، فجأة أتفتح باب الغرفة وكانت والدتها
التى هرولت إليها هاتفة:

-قومى يا بت اغسلى وشك كدا وظبطى نفسك جوزك برا

-جوزى مين؟!

-مروان يا منيلة هو انتِ متجوزة غيره

شعرت بإنتفاضة فى قلبها ثم همست بألم:

-جاى ليه أنا مش عاوزاه أنا عايزة اطلق

انقضت عليها والدتها تكمم فمها هاتفة:

-اخرسى، اخرسى يابت بقى الراجل جاى وعايز ياخدك
معاه وبيقول إنه سابك على راحتك بس كفاية كدا بطلى
عبط قومى كدا ظبطى نفسك ويلا

حاولت السيطرة على دموعها دون جدى هاتفة:

-بقولك مش مرتاحة معاه ولازم أطلق منه

-دا كل البنات كانوا بيحسدوكى بطلى هبل واستعيذى من الشيـ . ـطان كدا

***

دقائق وكانت تقف امامه، مسحت دموعها تخشى الضعف
أمامه وضعفها هنا يعنى خزى، تخشى النظر لعيناه، تخشى
أن تخسر كبريائها، عليها أن تكون أكثر حزم وقوة همست

-عايز ايه؟! وجاى من غير المأذون ليه؟!

كانت عينيه تحدق بها بعمق عينيها الحزينتين، كانت تسرد
ألف قصة وجع وقهر، مضى نحوها ثم مال هامسًا بنبرة
رجولية خشنة :

-هنروح البيت وهنتكلم هناك براحتنا

بدأ قلبها فى النبض بجنون عندما مال هو عليها رفعت عينيها ترمقه بنيران فابتعد هاتفًا

-يلا بينا

*****

ذهبت معه فى السيارة مرة ثانية عاجزة عن الإختيار
الشعور بالخذلان والعجز كالعلقم يدمر كل شئ بداخلك
ظلت صامتة طول الطريق حتى وصلت وهبطت من السيارة تسبقه الى الداخل فأوقفها قائلًا:

-روان

لم يكن فقط ينطق إسمها لكنه كان يشكو عذابه

نظرت لعيناه فى صمت فتابع:

-عايز أشرب فنجان قهوة

هزت رأسها وأولته ظهرها هاتفة:

-هاقول لحد فى المطبخ يعملها

-لأ لأ

استدارت ترمقه بإستنكار فأردف بشئ من التوسل:

-لأ اعمليها انتِ عندى صداع دماغى هتنفجر محتاج فنجان مظبوط

كانت تتفحصه شعره الاسود رموشه الكثيفة ملامحه
الحادة وطوله المديد يتنافى مع نبرته الطفولية حتمًا
سيصيبها بالجنون هزت رأسها ثم توجهت للمطبخ
قبل ان تبدل ثيابها أعدتها ووضعتها امامه تناولها
وهو يمرر الفنجان امام أنفه ليستنشق رائحته فى أنفه هامسًا

– تسلم إيديكِ

*****

فى المساء

-دا عنوان المستشفى يا مروان

قبـ .ـض مروان على ورقة بيده وهو يحاول ضبط انفاسه هاتفًا:

-تعبتك يا رامى

-ولا تعب ولا حاجة بس خير؟!

ربت على كتفه هاتفًا:

-خير

*****

ولج مروان للمشفى التى كانت تعمل بها روان ليسأل
عن أخلاقها لعله يجد بعض الكلمات التى تريح قلبه
وجد أحد الرجال يجلس فى إستعلامات المشفى
فاقترب يسأله بتوتر::

-لو سمحت هو فى ممرضة هنا كان أسمها روان

قطب الرجل حاجبيه ثم أجابه:

-والله ياابنى فى هنا كتير أنا مباخدش بالى

غمغم مروان قائلًا:

-هى بتلبس خمار كدا ووشها فى نمش

-اه عرفتها خير عايز ايه؟!

-معلش كنت حابب اسأل عن اخلاقها يعنى

هز الرجل رأسه بأسف هاتفًا:

-ربنا يستر على ولايانا انا مبحبش أجيب سيرة حد

تسارعت انفاس مروان وجف حلقه وهو يسأله:

-يعنى أيه؟!

-يعنى اللى فهمته بالظبط ولو سمحت بقي اناعندى شغل

******

الفصل السادس
★★★
قدرى المر
****

دائمًا لا تسمع لما تتفوه به الناس ولا تحكم على احد قبل
المواجهة والإستماع إليه، ارتق بأخلاقك وترفع
عن القيل والقال، لا تتسرع بالأحكام، حتى لا تبقى
ندبة بحياة احدهم كن ذكرى جميلة

ولج للغرفة وجدها مظلـ .ـمة وهى تنام بهدوء ولا تشعر
بأى شئ حولها أقترب ينظر لوجهها مع الضوء الخافت كيف تكون بكل هذه البراءة من الخارج وبداخلها جحيم، أوقعت أخيه، والآن تتدعى البراءة، كور يده محاولًا
كبح غضبه، هو بحياته لم يؤذِ أحد لم يسعى لإرتكاب
أى فاحشة، وضع يده على صدره متألمًا، بخطوات مثقلة
مضى نحو الاريكة ليجلس عليها وعيناه مثبتة عليها
ضجيج العالم فى رأسه، ألم حارق يكويه ليته لم يتزوجها
ليته يستطيع أن يفعل شئ لنزع هذا الشعور من داخله
نفض افكاره التى تذـ .ب.حه، لا يريد التفكير بها، سوف
يطلقها وأنتهى الأمر ***

فى الصباح

أعدت الفطور للجميع وصنعت له فنجان ووضعته بجانبه
‏أزاحه بقوة ليقع أرضًا ويتهشم لشظايا، قائلًا

-مش عايز زفت متتصرفيش من دماغك

ارتسمت الصدمة والذهول على ملامحها ثم سألته بتردد:

-ليه كدا؟!

-انتِ هنا مش ست البيت عشان تتصرفى من دماغك

أغمضت عيناها بألم والدموع تغزو مقلتيها حاولت
كبت دموعها ونبرة صوتها الباكى هامسة:

-أنا تعبت، تعبت بجد من المعاملة دي ، أنا كنت بعدت
وريحتك ممكن افهم دا أخرته إيه وبتعاملنى كدا ليه؟!

صرخت بها حماتها قائلة:

-ما خلاص خلصنا بقى، جوزك ومتضايق هتفتحى
له تحقيق

رفعت عيناها تتأمله والألم يعتصر قلبها مردفه بصوت
معذب ومطعون:

-هو جوزى بس أنه يهينى ويوجعنى بالشكل دا وانتِ
تقولى عادى أنا طلبت من إبنك الطلاق عشان ترتاحى
انت وهو منى ياريت تقنعيه ونخلص

ولجت إلى غرفتها وظل الحال كما هو تنام طيلة الليل
والنهار تنعزل عن الجميع فى صمت

بعد يومين

ولج للغرفة لكنها لم تشعر به فوجئت بوجوده
نظرت له للحظات بعد أن أدركت ان عينيه فى
عينيها، بنظرات تحكى الكثير، لكن نظراته كانت غامضة
شعرت أنها تغوص فى بئر عميق متسع كان يقف أمامها بكل جبروت، أغمضت عينيها بوجع ماذا كانت تنتظر
أن يعود معتذر، نادمًا نهضت تقف أمامه هاتفة:

-طلقنى

-بعينك، كبرت فى دماغى مافيش طلاق وهاتفضلي طول
عمرك جوا البيت دا ومافيش خروج منه

نظرت له بعيون تملأها الدموع وقالت بصوت مبحوح

-طب ليه؟! أنا أذيتك فى حاجة؟!

خفق قلبه بشدة قبـ .ـضة فولاذية تعتصره
لما الحياة ليست عادلة كيف سيحيا الآن مع هذا الوجع
كانت حياته هادئة، صوته المنكسر وملامحها الشاحبة
تعذبه، لم يجيبها وخرج مندفعًا لغرفة والدته و ما
أن ولج تسمر فى مكانه والدته مغشيًا عليها جثى
على ركبيته يصرخ بفزع:

-أمى امى يا أمى ردى عليا متسبنيش يا امى امى

هرولت من غرفتها على صوت صراخه واقتربت
من والدته تتحسس نبضها هاتفة:

-جهاز الضغط والسكر بسرعة
واتصل بالدكتور اتحرك

نهض مروان وهو ينظر للمشهد الذى امامه هاتفًا برعب

-لا يا أمى متسبنيش

حاولت أن تصفى عقلها من نوبة ذعرها أما هو حاول
السيطرة على نفسه متوجهًا للدرج يجلب الأجهزة
شرعت هى تقيس السكر ثم نظرت إليه هاتفة بغضب
من استسلامه:

-بقولك اتصل بالدكتور انت قاعد كدا ليه

اسرع يتصل بالطبيب ثم أقترب من والدته يحيطها
بيده ونهض بها يضعها على الفراش اسرعت هى
تعطى لحماتها جرعة السكر اللازمة، بعد مرور
نصف ساعة قد وصل الطبيب الذى بدأ فحصها
اعتدل واقفًا:

-الضغط واطى وهنركب محلول

بعد محاولة عديدة من الطبيب بغرس حقنة المغذى في يدها لكنه فشل فتتدخلت روان هاتفة:

-أنا ممكن أساعدك أنا اعرف

-تعرفى بجد؟! أنتِ دكتورة

-لأ ممرضة ممكن؟!

ابتسم الطبيب الشاب هاتفًا:

-ممكن؟!
دا أكيد طبعًا اتفضلِ

اقتربت تربط ذراعها من الأعلى بالرباط المطاطى ثم تحسست بإناملها عروقها تمتمت وهى تسمى الله
واخترقت الأبرة الوريد وظهرت قطرات الدم دليل
على إتمام المهمة بنجاح وضعت (الكالونة) ثم
أستقامت فنظر لها الطبيب الشاب هاتفًا:

-برافو عليكِ، أنا فعلًا محتاج واحدة بشطارتك معايا
فى العيادة

ابتسمت بإستيحاء فقطع مروان حديثهما ناظرًا لروان
وأمرها بصوت غاضب شـ .ـرس:

– خلصتى تركيب إرجعى لورا

نظرت له بيأس عندما رأته يقف كالوحش الكاسر يقف بتحفز وغضب، تحركت تقف بجانبه وهى تبادله النظرات

أقترب الطبيب من والدته يقيس الضغط ثانية فابتسم

-الحمدلله الضغط ابتدا يتظبط، المفروض إنها تنزل
المستشفى عشان تبقى تحت الملاحظة بس طالما
بنت حضرتك معاكِ كدا تمام هى هتعرف تظبط الدنيا

انهى كلماته وهو يستدير لها متسائلًا:

-هتعرفى ولا ننقلها المستشفى

هزت رأسها وهى تمتم بخفوت:

-آه هاعرف لحد ما يتظبط الضغط والسكر وبس
هو يا دكتور انت مش هتيجى تانى عشان تشوف
العلاج وتكتب علاج تمشى عليه باستمرار اصل السكر والضغط
على طول طالعين نازلين بيتظبطوا يوم ويطلعوا يوم

اجابها الطبيب بعملية وابتسامة تزين ثغره:

-لا متقلقيش طبعًا هااجى

حدجها بنظرات نـ .ـارية، صك أسنانه بغضب هاتفًا:

-لأ أنا هبعت اجيب ممرضة تعبناك اتفضل يا دكتور .

شعر الطبيب بحرج فنهض واقفًا يقول:

-المحلول يخلص وهتكون أحسن استأذن أنا

لم يعقب على كلامه وصار خلفه حتى خرج من باب البيت
ثم انطلق للأعلى يطوى درجات السلم، فتح باب الغرفة
يجرها خلفه كالشاه ثوانٍ كان يدخل غرفته دفعها بحدة
حتى كادت أن تسقط فصرخ بها بشراسة وهياج:

-أيه الهانم مش قادرة تكون محترمة ونضيفة شوية
أى راجل لازم ترسمى عليه

تمتمت بذعر وهى تراقب هياجه:

-أيه الكلام دا؟!
أنت مش طبيعى والله مجـ .ـنون؟!

أقترب منها وهو يسب ويلعن هاتفًا بغضب نابع من نيران
تحرق صدره ولا يعلم ماهيتها

-احفظى لسانك وأحترمي البيت اللى انت فيه

مخزون صبرها قد نفذ خصوصًا بعد ملاحظته الأخير، كم تتمنى لو بيدها الآن خنجر مسمومًا تطـ .ـعنه فى قلبه
ذلك الفظ، الذى أفسد حياتها، ليس فقط لتقدمه لزواجها
بل لخوضه الدائم فى عرضها، هو ليس كباقى البشر
بل هو مريضًا نفسيًا، أغمضت عيناها وكل ما يدور
بداخلها أفكار إجراميه للثأر لنفسها أجابته بشراسة:

-أنا محترمة غصب عن أى حد واللي مش عاجبه أخلاقى
ممكن يبعد ويطلق لكن تملى الواحد بيشوف كل الناس
زى نفس أخلاقه، ودي مش مشكلتى إنك كدا

توحشت عيناه يعلم أنه لو بقى ثانية واحدة سيكون
مصيرها الفتك رمقها باشمئزاز وانطلق للخارج يغلق
الباب خلفه.

****

فى المساء

لم تكف عيناها عن ذرف الدموع على ما حدث لها،
لحظات قاسية مرت عليها، لا تستطع ان تنسى نظرات
الشك والإستنكار بعيناه، لم تشأ أن تبقى معه تحت
سقف واحد ثانية اخرى، يأست ولا يوجد أمل
سترحل وتلملم كرامتها المهدورة وكبريائها المبعثر
تحت مسمى الزواج

يقف أمام الشرفة فى غرفة والدته عاجزًا عن النطق
تأوه بخفوت، غصة بقلبه يشعر بالإنهاك الشديد ليس
جسدياً بل نفسيًا، هى كحمى المو؟؟؟؟ت، ذهب لعلاجها
فاصابته، أغمض عيناه بوجع وأقترب من والدته
النائمة ليطمئن عليها، ثم توجه نحو غرفته بخطوات
مترددا و ما أن ولج لم يجدها دار بعيناه فى الغرفة
يبحث عنها فى الغرفة ولم يجدها اسرع نحو الخزانة
يفتحها لم يجد حقيبتها، جذب خصلات شعره بغضب
وأسرع للأسفل ****

-وبعدها معاكِ يا روان كل يوم زعلانة وسايية بيتك يا بنتى متعرفيش أن الراجل مش بيحب الست الشكاية

تلك الكلمات اردفت بها والدة روان فعقبت هى ساخرة

-انتِ متعرفيش حاجة عن الجواز غير كدا

-ياختتاى دا أنا ياما أستحملت من ابوكِ وبعدين خليكِ
عاقلة وشغلى دماغك تكسبى جوزك.. هقوم أنا احضر العشا
والصبح نروح أنا وانتِ وبالمرة ازور حماتك

بمجرد أن خرجت والدتها اطلقت العنان لمشاعرها
وسمحت لنفسها فى الإنهيار ترتجف بشدة إثر
الألم الذى يجتاحها، تشعر بالذل والمهانة في كل شئ
فى آن واحد

*****

بعد المرة التى لا يعرف عددها ردت على اتصاله فكان
رده حازم

-أنا برا البيت وأطلعى حالا

-مش هاطلع يعنى مش هاطلع

-بلاش تخليني أتصرف وأعمل حاجة تضايقك انتِ وأهلك
أتفضلى بدل ما البلد كلها تتفرج على الفضا؟؟؟يح

ألقت بالهاتف على فراشها وقالت بصوت متحشرج:

-اتفلق مش هاطلع

ولجت والدتها لتجدها بحالتها المُزرية تلك ضر….بت صدرها

-انتِ لسه زى ما انتِ

-ايوه وجه برا ومش هاطلع ليه؟!

-يا مصيبتى اقصرى الشر وروحى مع جوزك
لو ابوكِ عرف اصلا هيسحبك ويطلعك ليه والبيوت
ياما فيها أطلعى روحى طالما جه يبقى شارى وانا
هاروح بكرة ليه اشد عليه شوية

ليس أمامها سوى حنث وعودها لنفسها

بعد دقائق وكانت تسير نحو سيارته بإنهزام ودموع متحجرة، فتحت باب السيارة وجلست بجواره فى الصمت
رمقها بطرف عينيه وصدره يعلو ويهبط بانفعال، حرك
السيارة بسرعة جنونية وانطلق فى ظلام الليل لو كان بإمكانه الطيران لم يتاخر

*****

دلفت للبيت تشعر بروحها غريبة، صعدت للأعلى ولم
تنتظره ولج خلفها وأغلق الباب ثم أقترب يسألها:

-زعلتى لما قولتلك أنك تحترمى البيت اللى انتِ فيه
هو فى واحدة محترمة تخرج من البيت من غير إذن
جوزها

استدارت له تجيبه بسخرية:

-جوزى أنت مصدق نفسك اللى بينا دا جوز على الورق
بس مش اكتر وإشمعنا دي عايزنى أعتبرك جوزى

-كل اللى تاعبك كدا أن الجواز على ورق خلاص نتمم الجواز

قبل أن تستوعب ما نطقه فمه كان يحذبها من ذراعها بقسوة لتلصق بصدره يقبلها بقسوة وعنـ .ـف على ثغرها
ثم انتقل لجيدها ويده تفك ازارها بقسوة كانت تتلوى بين يده وهى عاجزة
عن التنفس، تخاطب أذنه الصماء:

-سيبنى كفاية، أنا اسفة، مش قصدى

تلبسه شيطانه واعمى عيناه، لكنه فاق فى الوقت المناسب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *