طلبت مني أعز صديقاتي
طلبت منى أعز صديقاتي أن أقرضها ٨٠٠٠ وفعلت ذلك وبعدها أختفت وبعد ثلاث سنوات .. حضرت فة حفل زفافي في سيارة يتجاوز ثمنها ٣ مليون وأعطتنى ظرف وما وجدته داخل ظرفها جعل أنفاسي تتوقف تعرفنا خلال دراستنا في الجامعة وكنا فتاتين بلا مال وظروفنا متشابه وقادمتين من بلدتين صغيرتين وتقاسمنا غرفة ضيقة كسكن جامعى ولم تكن مجرد صديقة كانت أختا اختارتها الحياة لي وبعد التخرج فرقتنا الطرق كما يحدث غالبا حصلت أنا على وظيفة مستقرة كمحاسبه وهى أنتقلت للعمل في المبيعات. بقينا على تواصل متقطع نتبادل أخبار العمل والانفصالات العاطفية .. إلى أن جاءت تلك الليلة التي غيرت كل شيء وصلتني رسالتها احتاج إلى المال ٨٠٠٠ والدي يعاني من مشكلة خطيرة في القلب وسقف منزلنا انهار بسبب الأمطار . أرجوك. سأعيده خلال عام واحد لم أتردد لحظة. حولت لها ٨٠٠٠ كل ما أدخرته خلال سنوات واستدنت ألفا إضافيا من أصدقاء كي أكمل المبلغ وبعد ان ارسلت لها المال بكت عبر الهاتف أقسمت أنها ستعيد كل قرش.
شكرتني مرارا وقالت إنني أفضل صديقة عرفتها في حياتها ثم اختفت. رقمها خارج الخدمة حساباتها على مواقع التواصل خالية. تلاشت كأنها لم تكن موجودة يوما. انتظرتها شهورا ثم أعواما تحول جرح الخيانة مع الوقت إلى شيء أكثر قسوة خجل صامت. لم أخبر أحدا بما حدث بعد ثلاث سنوات مضت الحياة قدما كنت على وشك الزواج من مهندس نظم .. كان يرى في صمتي ووفائي فضيلة لا تقدر بثمن. قررنا حفلا بسيطا فى قاعة قريبة من مدينتنا كان كل شيء مثاليا إلى أن توقفت سيارة بيضاء فخمه أمام المدخل مباشرة التفتت الأنظار نزلت من السيارة امرأة طويلة لافتة ترتدي بدلة أنيقة وحذاء من تصميم فاخر وعطرا ثمينا ترك أثره في الهواء كأنه توقيع. ثم رأيت وجهها أنها صديقتى أنقبض حلقي وتعالت همسات المدعوين. لم أعد أستطيع التنفس ابتسمت وكأن السنوات الثلاث الماضية لم تكن سوى استراحة قصيرة في حديث طويل اقتربت مني مباشرة ووضعت في يدي ظرفا سميكا . قالت بصوت خافت مبروك يا حبيبتى هذا أهم يوم في حياتك. كانت العيون كلها علينا كان الظرف ثقيلا ارتجفت يداي وأنا أفتح الظرف لا من ثقله وحده بل من ثقل السنوات التي تراكمت في صدري. تسارعت أنفاسي وكأنني أخشى أن أجد داخله حكما نهائيا على سذاجتي أو دليلا قاطعا على أن الطيبة خطيئة لا تغتفر. لكن أول ما وقعت عليه عيناي كان المال. رزم مرتبة بعناية أوراق نقدية جديدة تفوح منها رائحة البنوك لا رائحة الأيدي المرتعشة. ثمانية آلاف ثم أكثر. عشرة اثنا عشر خمسة عشر. توقفت عن العد حين أدركت أن المبلغ يفوق بكثير ما أقرضته لها. رفعت رأسي ببطء. كانت تنظر إلي بهدوء غريب دون ارتباك دون استعجال في التبرير وكأنها انتظرت هذه اللحظة ثلاث سنوات كاملة. تمتمت بصوت بالكاد خرج من حنجرتي ما هذا ابتسمت ابتسامة صغيرة تلك التي كانت ترتسم على وجهها أيام الامتحانات الصعبة حين كنا على وشك الانهيار. وقالت بهدوء حقك كاملا وزيادة. وتأخير العمر لا يعوض. تعالت همسات المدعوين من حولنا لكن نبرتها أخمدت الضجيج داخلي. أمسكت بالظرف بقوة كأنني أخشى أن يتلاشى مرة أخرى. أين كنت خرج السؤال حادا مثقلا بكل الليالي التي لم أنم فيها بكل مرة احتجت فيها المال فصمت بكل مرة أقنعت نفسي أن ما حدث لم يكن خيانة بل سوء حظ. تنفست بعمق ثم قالت هل يمكننا الحديث بعد الحفل هززت رأسي موافقة. لم أكن أملك رفاهية الرفض ولا القدرة على المواجهة أمام الجميع. أشرت لها أن تجلس فاختارت مقعدا في الصف الخلفي بعيدة عن الأنظار كأنها لا تريد أن تسرق يومي رغم أنها سرقته بالفعل منذ ثلاث سنوات. مر الحفل بطيئا كأنه حلم ثقيل. ابتسمت صافحت التقطت الصور لكن عقلي ظل مع الظرف ومع الأسئلة التي لم تجب. بعد انتهاء الزفاف وفي ركن هادئ من القاعة وجدتها تنتظرني وحدها. جلست أمامها ووضعت الظرف بيننا كأنه حاجز من ورق ونقود وذكريات. تفضلي تكلمي. لم تبدأ بالمال. بدأت بتلك الليلة التي أرسلت فيها الرسالة. قالت إن والدها لم يكن يعاني من مرض في القلب فقط بل كان بحاجة إلى عملية جراحية طارئة خلال أيام. رفض المستشفى إدخاله دون دفعة مقدمة. أما سقف المنزل فلم يكن مجرد انهيار جزئي بل كارثة جعلت البيت غير صالح للسكن. كنت أحتاج المال بسرعة ولم يكن
في حياتي غيرك. خفضت عينيها ثم أضافت حين أرسلت المال أنقذت حياته. ابتلعت ريقي وشعرت بوخزة في صدري. ولماذا اختفيت هنا تغير صوتها. لم تبك لكنها فقدت ذلك التماسك المصطنع. بعد أسبوعين من العملية ظهرت مضاعفات. دخل في غيبوبة طويلة. قضينا ستة أشهر بين مستشفى وآخر. كل ما كان لدي أنفقته. سكتت لحظة ثم قالت بصوت منخفض ثم مات. ساد صمت ثقيل بيننا. لم أجد كلمات تليق بتلك اللحظة. بعد دفنه اكتشفت أن عليه ديونا قديمة باسمي أنا. وقع عليها في فترة ضعفه ولم أكن أعلم. أصبحت مهددة بالسجن. رفعت رأسي فجأة. السجن أومأت برأسها. نعم.
اختفيت لا لأهرب منك بل لأهرب من كل شيء. حكت كيف باعت ما تملك وكيف عملت في وظائف مؤقتة بأسماء مختلفة وكيف سافرت للعمل في المبيعات خارج البلاد وكيف بدأت من الصفر مرة أخرى لكن هذه المرة دون أن تجرؤ على التواصل. كنت أقول لنفسي كل يوم حين أستطيع رد المال سأعود إليك أنا أيضا. فتحت حقيبتها وأخرجت دفترا صغيرا قديما مهترئ الأطراف. مدته نحوي. هذا دفتر حساباتي. أول بند فيه دينك. تجمدت في مكاني. كنت أدون المبلغ يوما بيوم. ليس كي أنسى بل كي أتذكر. نظرت إليها طويلا. لم أر الخيانة التي تخيلتها ثلاث سنوات. رأيت امرأة دفعتها الحياة إلى زاوية ضيقة فاختارت الصمت بدل التبرير والغياب بدل الشكوى. وماذا عن السيارة وعن كل هذا المال سألت بصوت أقل حدة. ابتسمت ابتسامة صادقة هذه المرة. عملت كثيرا. تعبت أكثر. خسرت وربحت. وحين أصبح معي ما يكفي قلت لا بد أن أعود في أهم يوم في حياتك. دفعت الظرف نحوي مرة أخرى. إن لم ترغبي في أخذه فهذا حقك. لكن كان علي أن تعلمي أنني لم أنسك يوما. نظرت إلى الظرف ثم إلى عينيها. ثم فجأة انهرت باكية. بكيت على نفسي القديمة على تلك التي استحت أن تحكي التي حملت الخجل بدل الغضب واللوم بدل السؤال. وبكيت عليها وعلى كل إنسان اختفى لأن الحقيقة كانت أثقل من أن تقال. مددت يدي وأمسكت بيدها. كان بإمكانك أن تخبريني. هزت رأسها ببطء. كنت أخشى أن أبدو ضعيفة في عينيك. ابتسمت من بين دموعي. لم تكوني ضعيفة يوما. في تلك الليلة لم تمح السنوات الثلاث لكنها وضعت في موضعها الصحيح. لم أعد ضحية خيانة بل شاهدة على صداقة لم تنكسر بل تأخرت. عدت إلى منزلي والظرف في حقيبتي. لم يكن مجرد مال بل استعادة لشيء أعمق ثقتي بنفسي وبأن بعض الغياب لا يعني الخذلان. وفي صباح اليوم التالي أودعت المال في البنك واحتفظت بالدفتر الصغير. لا كتذكار بل كتذكير بسيط أن الحقيقة أحيانا تحتاج وقتا لكنها حين تأتي تأتي كاملة.