دعاء 2
بسم الله الرحمن الرحيم
الحلقة الحادية عشر
كانت ندى جالسة بغرفتها تقرأ بأحد كتب الفقه التي تفضلها دائما حين رن هاتفها برقم السيدة تيسير والدة أدهم…
ألو ازيك يا طنط عامله ايه..
بخير يا حبيبتي الحمد لله..
اتأخرتي اوي يا طنط… أدهم قالي انك كنتي جاية الصبح و احنا دلوقتي بقينا بعد الضهر اهو..
أنا آسفة يا ندى أكيد زهقتي من القعدة لوحدك… بس انتي عارفه ان روان حامل في الشهر التاني و تعبانة.. فاضطريت أفضل معاها شوية.. بس ان شاء الله هرجع على اخر اليوم.
ألف سلامة عليها… سلميلي عليها كتير… لو عايزة تقعدي معاها عادي أنا مش زهقانة ولا حاجة.
لا يا حبيبتي الحمد لله بقت أحسن… و بيني و بينك مبرتاحش غير في بيتي… المهم وفاء جايالك دلوقتي تنضف البيت بس انا كلمتك عشان اقولك متخليهاش تدخل قوضتك انتي و أدهم… نضفيها انتي عشان خصوصياتكم و كدا.
ابتسمت بمرارة ثم قالت
حاضر يا طنط… أنا ممكن أنضف البيت كله عادي..
لا يا قلبي الشقة واسعة و هتتعبي في تنضيفها و انتي لسة عروسة ميصحش نستغلك كدا…
ثم ضحكت بمرح لترد ندى متظاهرة بالضحك
ماشي يا طنط اللي تشوفيه.
مابلاش طنط دي بقى… انتي بنتي التالتة يا ندى.
ابتسمت بحب لتلك السيدة التي عادة ما تغمرها بحنانها ثم قالت
حاضر يا ماما..
ايوة كدا يا ندوش… يلا يا حبيبتي مش هطول عليكي… ان شاء الله قبل ما أدهم يرجع من شغله هكون عندك..
تمام.. مع السلامه.
و بمجرد أن أغلقت الهاتف دق جرس الباب فعلمت أنها وفاء الخادمة فبدلت بيچامتها الصيفية الخفيفة لفستان منزلي بسيط بأكمام طويلة ثم ذهبت لتفتح الباب و بالفعل وجدتها وفاء..
مساء الخير يا ندى هانم..
مساء النور اتفضلي يا وفاء..
دلفت الى داخل الشقة بعدما أغلقت ندى الباب ثم تحدثت اليها مباشرة
وفاء ابدأي بالمطبخ و الحمام على ما أنضف قوض النوم.. و بعدها اعملي الريسبشن و الصالون و قوضة السفرة..تمام!
أومأت وفاء بابتسامة فقد رفعت ندى عن كاهلها عناء تنظيف غرف النوم فالشقة واسعة حقا و تنظيفها شاق للغاية.
فكرت ندى أن تبدأ بغرفة أدهم حتى لا تأتي أمه و تجدها مهلهلة و بذلك تكتشف انفصالهما في الغرف و يبدأ التحقيق و هي غير مستعدة نفسيا لذلك.
بمجرد أن فتحت باب الغرفة صعقټ مما رأت انها أشبه بمقلب للقمامة منها غرفة..
الملابس ملقاة في كل مكان.. بقايا الطعام مازالت مكانها على الكومود.. طاولة الزينة فوضاوية للغاية.. جورب هنا و آخر هناك…ناهيك عن الأوراق المتناثرة في كل ركن من الغرفة…علاوة على أكواب الشاي و القهوة الموضوعة على الكومود…. بحق الله لو كان طفلا لما فعل بالغرفة فعلته تلك..
أخذت تهز رأسها بأسى ثم سرعان ما اڼفجرت في الضحك من فرط ذهولها من ذلك المشهد الغير متوقع على الإطلاق.
دلفت و أغلقت الغرفة جيدا حتى لا ترى وفاء تلك الفوضى و أول ما فعلته هو أن تقدمت نحو طاولة الزينة لتلتقط زجاجة عطره الذي أدمنته و تديرها بين كفيها لتقرأ الاسم المدون عليها دخون روز لقد أحبت اسم العطر من فرط عشقها له و لصاحبه ثم نثرت قليلا منه بالجو و قامت باستنشاقه باستمتاع غريب و كأنه يقف الآن أمامها…
ابتسمت بحالمية حين تخيلت نفسها مستقرة على صدره و تتنفس عطره من جانب عنقه… حقا متى سيتحقق ذلك الحلم!…فكل يوم يمر عليها في منزله يترسخ عشقه داخلها أكثر و يزداد هوسها به أكثر و أكثر… متى أصبحت مچنونة به هكذا… ندى تلك الفتاة الرزينة الهادئة تمرد عليها قلبها للغاية لتتحول لفتاة مراهقة تتخيل نفسها بأحضان حبيبها!… نهرت نفسها و هي تتمتم لنفسها بالسباب و التأنيب ثم شمرت ساعديها و خلعت حجابها لتبدأ في مهمتها الأصعب على الإطلاق ألا وهي ترتيب غرفة أدهم الفوضاوية.
يقف بروح مفقودة ساندا رأسه الى باب العناية المركزة و كأنه ينتظرها لتخرج اليه فلم ينتبه من شروده إلا حين ربت أبوه على كتفه فنظر له بعينين مسبلتين بارهاق ليهز أبوه رأسه بأسى على حال ابنه
وقفتك دي مش هتفيد بحاجة يا آسر…انت بقالك اكتر من ساعتين واقف على رجلك يابني..
نظر أمامه في الفراغ و هو بالكاد يفتح عينيه من فرط الحزن الذي أنهك عيناه ثم قال بصوت متحشرج
انا مش حاسس بتعب يا بابا متقلقش.
تنهد أبوه بحزن دفين ثم قال بنبرة جادة مؤلمة
يا آسر انت لازم تفهم ان ميري دلوقتي بين ايادي الله و أحسن حاجة نقدمهالها الدعاء… أنا متأكد انها مش مبسوطة بوقفتك دي و حالتك اللي انت فيها دي دلوقتي.
انكمشت ملامحه پألم و كأنه على وشك البكاء ثم قال بنبرة مټألمة
ميري لسة عايشة يا بابا… قلبها لسة بينبض… لسة بتتنفس.
رد أبوه بحدة لعله يفيق
يابني كلها ساعات و هتفارق الدنيا..
رد آسر بنفس نبرته الحزينة
حتى لو لسة فاضل في عمرها كام ساعة فأنا عايز أفضل جنبها الكام ساعة دول… مش هقدر أسيبها… أنا عارف انها مسألة وقت مش أكتر.. بس قلبي مش مطاوعني أبعد عنها الساعات اللي باقيالها في عمرها… أرجوك يا بابا سيبني أنا مش حاسس بتعب صدقني.
أطرق أبوه رأسه بحزن بالغ و هو يردد الحوقلة ثم عاد ليلح عليه من جديد
طاب عشان خاطر ابوك العيان اسمع كلامي و ريحني و روح البيت غير هدومك على الأقل… انت مش شايف شكلك عامل ازاي!.. البدلة البيضا مبقتش بيضا و السترة طالعة من البنطلون و حالك مبهدل اوي يابني.
انفرج ثغره ليعترض ليقاطعه والده بنبرة قاطعة
خود شاور و غير هدومك بس يا آسر و تعالى تاني بسرعة… أنا هقف مكانك هنا مش هتحرك لحد ما ترجع… يلا يابني أنا ضغطي عالي و مش حمل المناهدة دي.
أشفق على حال أبيه و رجائه المستمر فأومأ بقلة حيلة
ماشي يا بابا… كلها نص ساعة بالظبط و هرجع تاني.
أومأ مربتا على كتفه بحنو
ايوة كدا يا حبيبي ربنا يهديك… يا ريت تروح بتاكسي بلاش تسوق عشان انت شكلك تعبان و مش مركز.
أومأ آسر بصمت ثم استدار مغادرا تاركا قلبه هنا عند حبيبته الراقدة في فراش المۏت.
في محافظة سوهاج….
بمجرد أن ترجل معتصم من سيارته اتجه مباشرة الى داخل الدوار أتبعه حمد ليتجهان مباشرة لمجلس أمهما المعتاد في بهو المنزل و لكنه لم يجدها فتسرب القلق الى قلبه فهي دائما تفضل الجلوس بتلك الأريكة العتيقة ولا تتركها الا في حال مرضها.
نعمة.. نعمة..
هرولت اليه نعمة الخادمة لتقول باحترام جم
أوامرك يا كبير..
فين ستك الحاچة!
ستي الحاچة ف قوضتها يا كبيرنا أصلها بعافية حبتين.
اتسعت عينيه پذعر ليصيح بانفعال
بعافية كيف يعني…و كيف محدش يكلمني في التلفون و يخبرني.
جذبه حمد من ذراعه ليقول
انت لسة هتسأل يا معتصم… بينا نطلع نشوف فيها ايه!
بعد قليل…
طرق معتصم باب غرفة والدته ثم دلف بهدوء ليتفاجئ بهذا المشهد…
أمه طريحة الفراش يبدو على ملامحها التعب و تجلس ريم على حافة الفراش تقيس لها صغط الډم بجهاز الضغط خاصتها بينما مارتينا تقف خلفها تتابع عمل ريم.
تعالى يا ولدي مټخافيش عليا أني زينة…
خلعت ريم سماعتها ثم قامت بفك الجهاز من حول ذراع السيدة المسنة ثم قالت بنبرة عملية متجاهلة وجود معتصم
فعلا زي ما توقعت… الضغط عالي و هو اللي عاملك الصداع و مأثر كمان على عنيكي.
تقدم معتصم من فراش والدته تبعه حمد ليقول الأول بلهفة
ألف سلامة عليكي يامايا… بجى اكده تجلجينا عليكي!!
ثم انحنى ليقبل كفها بحب خالص تعحبت منه ريم فكيف لذلك الرجل الغليظ أن يتحول هكذا مع أمه.
تقدم حمد هو الآخر و قبل جبينها
سلامتك يا حاجة ألف سلامة… مبتاخديش علاج الضغط ليه بس يا ست الكل… ولا انتي بتعملي كدا بقى عشان افضل قاعد جنبك أديكي العلاج بنفسي!
ضحكت السيدة بقهقهة ثم قرصت حمد من أذنه القريبة منها لتقول بجدية ممزوجة بالمزاح
ياد جولتلك اعدل لسانك اللي اتعوچ ده من كتر جعدتك اف بحري..
قهقه حمد و هو يتصنع الألم
أي.. يا حاچة خفي يدك هبابة..
مليح اكده… ناس مبتچيشي غير بالعين الحمرا.
كانت ريم تتابع المشهد بابتسامة متأملة بها مزيج من الاعجاب بتلك التركيبة العجيبة و العلاقة المريحة التي تجمع أفراد هذه الأسرة و من المشهد برمته.
بينما معتصم كان يسترق اليها النظرات يراقب بسمتها المرتسمة على ثغرها بشغف يجاهد نفسه لألا يبتسم على مظهر البراءة الذي تبدو به الآن على عكس ما عرفه عنها.
تنحنحت ريم لتجذب انتباه السيدة فالتفتت اليها لتقول بأسف
متأخذنيش يا بتي..آخر العنجود لاهاني عنيكي..
ابتسمت بود
ولا يهمك يا حاجة…
ردت البسمة لتقول بنبرة يشوبها المرح
ده ولدي حمد الصغير… و ده انتي خابراه معتصم الكبير…اني بستسمحك عنيه يا بتي اذا كان شد عليكي هبابة… بس بعد ما حكتيلي اللي حوصل عدرتك… و بعد ما شوفتك و اتحددت معاكي حبيتك جوي…البصة في وشك تشرح الجلب الحزين.
أخفضت ريم جفنيها بخجل على إثر تلك الإطراءة الحلوة في حين قالت مارتينا بضحكة بسيطة
سيدي يا سيدي…و أنا مش هينوبني من الحب جانب ولا ايه!
ضحكت ام معتصم لتقول بود
الا انتي يا مارتينا يا بتي… دا انتي عشرة خمس اسنين.. منستغنوش عنيكي واصل.
قاطع الحديث حمد متسائلا
طاب ياما احنا عارفين الدكتورة مارتينا…عرفينا بجى على الدكتورة اللي شرحت جلبك.
ضحكت السيدة لتنظر لمعتصم بمكر
عرفهالو يا ولدي… انت تعرفها مليح أكتر مني..
رد معتصم باقتضاب مشيحا بناظريه عن ريم
دي الضاكتورة ريم… لسة ماسكة الوحدة چديد مكان الضاكتور حسين.
أماء حمد برأسه محييا اياها ببسمة
اتشرفت بمعرفتك يا دكتورة ريم و ان شاء الله تتبسطي معانا في البلد.
كتمت ضحكتها بصعوبة لتقول بسخرية
الشرف ليا يا استاذ حمد…بس أنا فعلا مبسوطة… مبسوطة اوي..
قالت عبارتها الأخيرة و هي تنظر لمعتصم بنظرة ذات مغذى فزفر معتصم بضيق ثم صاح بجدية مغيرا مجرى الحديث
طاب يا ضاكتورة هتكتبي للحاچة أدوية!
ارتبكت قليلا حين صوب عينيه تجاهها بملامحه شديدة الجدية و التي تهابها كثيرا فعدلت من وضعية نظارتها الطبية في حركة ملازمة لها عند توترها ثم أومأت برأسها و هي تستخرج دفتر صغير من حقيبة يدها و قلم لتقول و هي تكتب
أيوة هكتبلها على نوعين… الأول هتاخد منه حباية ع الريق و النوع التاني هتاخد منه قرص بعد العشا.
نزعت تلك الورقة من دفترها و مدت بها يدها لمعتصم الذي أخذها منها و هو يتطلع إليها بملامح مبهمة مرتكزا بعينيه صوب عينيها لا تفهم إعجاب هذا أم وعيد الذي يشع من نظراته و لكنها أخفضت عيناها سريعا لتقف و تقول بجدية
أنا كدا خلصت… ألف سلامة عليكي يا حاجة و لو حصل أي حاجة ابعتيلي و أنا تحت أمرك.
ابتسمت السيدة بامتنان لتفتح لها ذراعيها
و تقول
تعالي
في
—
حضڼي يا بتي و الله حبيتك كيف مابحب عيشة بتي…ابجي طلي عليا بطلتك الزينة دي.
استجابت ريم لدعوة السيدة أم معتصم فهي أيضا قد أحبتها و ارتاحت لها كثيرا و أدركت الآن سر تحول معتصم معها… فحنانها الزائد هو ما يدعوه للتعامل معها بذاك اللين و تلك الرقة.
نهض معتصم ليقول بجدية
اتفضلو امعاي أوصلكو لتحت.
هتفت ريم بأدب
مفيش داعي يا معتصم بيه… احنا هنعرف ننزل.
أصر عليها
لاه ميصحش يا ضاكتورة… اتفضلو من هانا.
سار خلفهما معتصم الى أن وصلوا الى باب الدوار ليأمر خفيره بعد ذلك بايصالهما الى الوحدة الصحية.
عاد معتصم لغرفة أمه ليجد حمد جالسا و يبدو أنه شاردا في أمر ما و ما أثار حفيظة معتصم امكانية شروده في ريم الأمر الذي أضرم نيران الڠضب في صدره.
مالك يا حمد!… حمد..
انتبه حمد في الثانية ليقول بشرود
ايه يا معتصم!
ايه انت!
نظر معتصم لأمه فوجدها تجاهد النعاس فانحنى يقبل جبينها
نامي و ارتاحي يامايا و اني هبعت سمعان يچيبلك الدوا من الصيدلية.
ماشي يا وليدي..
ساعدها في الاستلقاء على جانبها الأيمن ثم جذب ذراع أخيه يجره خلفه جرا و أغلق الغرفة و انصرف الى غرفته و مازال يجر شقيقه خلفه.
ايه يا معتصم بتجرني وراك زي البهيمة كدا ليه يا أخي!
ألقى به على طرف الفراش ليسأله بالهدوء الذي يسبق العاصفة
مالك بقى!.. من ساعة اللي اسمها ريم دي ما مشيت و انت قاعد سهتان على نفسك و مش على بعضك.
ابتلع ريقه بصعوبة ثم أردف بتوتر
مماليش يا معتصم… انت اللي بيتهيألك.
زمجر فيه بصياح و كأنه يذكره بأمر ما
فوق يا حمد… كلها اسبوعين تلاتة بالكتير و هتبقى مسؤل عن زوجة… و المفروص انك متفكرش في واحدة غيرها…كيانك كله لصافية مهما كان فيها من عبر و عيوب.
نهض حمد ليقف قبالته هاتفا به بانفعال
أنا مش صغير عشان تفكرني بالكلام دا يا معتصم… ولا انا مراهق عشان خيالك يصورلك اني ممكن أبص لواحدة زي ريم و أنا على زمتي واحدة تانية.
أخذ يهزه من كتفيه و هو يصيح بعصبية
أومال مااالك و انت سرحان من ساعة ما شوفتها… تفسرلي دا بايه انطق.
نفض ذراعي شقيقه عنه ليقول بحسرة
كنت بتخيل صافية زيها يا أخي… نفسي تكون زيها مش أكتر من كدا… انما هي كشخص.. استحالة أفكر في واحدة مش من حقي.
سكت معتصم و كأنه سكب عليه دلوا من الثلج ليسترسل حمد باستنكار
أنا اللي مستغربك يا أخي… و رد فعلك كان مبالغ فيه أوي يا معتصم.. فسرلي انت بقى اتحمقت اوي كدا ليه..
صاح بانفعال مشوشا على موقفه الغير مبرر
أنا كل الحكاية اني كنت بنبهك مش أكتر.. و بعدين أنا مش مضطر أفسرلك أي حاجة… سلام.
تركه معتصم و انصرف مغادرا الغرفة مخلفا غيامة من الڠضب و الغموض في آن واحد…
غادر و هو ينهر نفسه على تسرعه في الحكم على أخيه فهو يدرك جيدا مدى رجاحة عقل حمد و حسن امتلاكه لزمام الأمور… و لكن أكثر ما أغاظه تلك النيران التي استعرت بصدره حين خيل إليه أنها أعجبت شقيقه…
ترى أي شرارة تلك التي أشعلتها!
بسم الله الرحمن الرحيم
الحلقة الثانية عشر
ر
ترجلت السيدة تيسير من السيارة الأجرة في نفس لحظة ترجل أدهم من سيارته فابتسم لهذه الصدفة و أقبل عليها ليلتقط كفيها يقبـ,ـلهما
حمد الله على سلامتك يا ماما وحشتيني اوي..
احتضنته بشدة لتقول
و انت كمان يا حبيبي… يلا نطلع بسرعة اصل ندى وحشاني اوي..
يلا يا حبيبتي..
أخذها و دلفا الى الداخل و استقلا المصعد..
قبل
ذلك الحين بقليل…
انتهت ندى لتوها من التنظيف و ها هي قد أخذت حماما باردا و ارتدت بادي بحمالات رفيعة أظهر كتفيها و مقدمة صدرها و شورت قصير من الچينز ثم أظلمت الغرفة بعدما أغلقت بابها من الداخل لتأخذ قسطا من الراحة لحين وصول السيدة تيسير.
و بمجرد أن تمددت على فراشها قامت منتفضة كالملسوعة لتقول پذعر
يانهار ابيض… انا نسيت هدومي في قوضة أدهم..
ثم هبت من الفراش سريعا و فتحت الغرفة لتركض باتجاه غرفة أدهم بسرعة كبيرة قبل أن تراها وفاء بهذه الملابس الڤاضحة معتقدة في داخلها أن تيسير أو أدهم لن يصلا الحين.
فتحت الغرفة و من فرط سرعتها في الركض انزلقت قدماها لتصطدم رأسها بحافة خزانة الملابس المصنوعة من الخشب الثقيل و قد كانت الصدمة مؤلمة لدرجة أنها صړخت بعلو صوتها حين كان أدهم يفتح باب الشقة بمفتاحه الخاص حينها التقطت تيسير صړاخ ندى لتسبقه الى الداخل و هي تهتف بهلع
دا صوت ندى جاي من قوضتك..
ثم خلعت حذائها سريعا و ركضت نحو غرفة ابنها لتجدها مفتوحة و ندى مسجية على الأرض ممسكة برأسها و لا تستطيع النهوض.
حبيبتي يا ندى… ايه اللي حصل!
كانت ندى تجاهد لألا تفقد وعيها فقد ثقل رأسها للغاية و داهمها الدوار بينما تيسير انحنت لتراها فلمحت تلك الډماء التي تسيل من جبهتها فصاحت بهلع
أدهم تعالى بسرعة…
في تلك اللحظة دلف أدهم ليصعق حين رآها بتلك الملابس العاړية فعاد الى الخلف خطوة يواريها عن ناظريه فحتما ان كانت بوعيها ستثور و تغضب لرؤيته لها بذلك الوضع و لكن أمه صاحت به بحدة
ادخل بسرعة يابني شوف مراتك… دماغها متعورة.
اضطر لأن يستجيب لها ليدخل و هو يحاول أن يغض الطرف عما يظهر من جسدها أمامه فانحنى ليتفقد جبهتها و قد كانت بالكاد تفتح عينيها و كأنها تريد أن تركض من أمامه و لكن جسدها يأبى و كأنها مخدرة.
جبينها مفتوح بس مش عارف الچرح كبير ولا صغير من الډم اللي نازل.
طاب قومها تنام على السرير على ما اروح بسرعة أجيب علبة الاسعافات..
أومأ و هو يسند كتفيها لتذهب تيسير سريعا خارج الغرفة بينما أدهم يهزها برفق لعلها تستطيع النهوض
ندى.. قومي معايا.. ساعديني عشان أقدر أسندك و أقومك من ع الأرض…
و لكنها من فرط خجلها استجابت لتلك الغيمة التي داهمتها لعلها تنقذها من ذلك الموقف الذي أخذاها لدرجة فاقت احتمالها..
ندى.. ندى..
زفر پعنف حين أدرك أنها فقدت وعيها فقام بلف ذراعه حول كتفها و الآخر أسفل ركبتيها ليحملها بسهولة و كأنها لا تزن شيئا و قد استقرت رأسها على صدره و سالت دماء جبهتها على بدلته البيضاء و لكنه لم يهتم فأكثر ما يهمه الآن أن تكون بخير.
بينما هي داعبت رائحة عطره التي تعشقها أنفها لتئن بخفوت مستمتعة بذلك الحلم الذي راودها بمجرد أن فقدت وعيها بين ذراعيه.
وضعها برفق على الفراش ثم أخذ يتأمل أنوثتها الطاغية و كأنه مسحور أين كانت تواري كل هذا الجمال و لكنه عاد ليغمض عينيه و يستغفر ربه بخفوت فحتما لو كانت واعية لما مررتها له هكذا.
ابتسم باستهزاء من حاله ثم نهض بسرعة ليحضر شرشف خفيف من الخزانة ثم دثرها جيدا بحيث لا يظهر منها سوى رأسها حتى ما ان استيقظت لا تشعر بالخذي أو الخجل.
حين أتت أمه بعلبة الاسعافات الأولية التقطها منها ليبدأ في تجفيف الډم ثم تبين له أنه چرح صغير لا يحتاج لغرز فقام بتطهيره و وضع لاصق طبي عليه.
هي أغمى عليها ولا ايه يا أدهم!
أومأ و هو يقوم بوضع اللاصق ثم قال
أيوة يا ماما… شكلها مرهق أوي.. أنا بقول نسيبها تنام و ترتاح بلاش نفوقها.
في تلك اللحظة دلفت وفاء حاملة كوب من العصير الطازج كانت قد أمرتها تيسير باعداده لندى و قد سمعت عبارة أدهم الأخيرة لتقول و هي تدخل
اه و الله يا أدهم بيه… ندى هانم تعبت النهاردة في تنضيف قوض النوم و مأكلتش أي حاجة عشان تلحق تخلص قبل ما ترجعوا.
انكمشت ملامحه بڠصب ليصيح بها
و ندى هانم تنضف ليه!.. و انتى كان لازمتك ايه!
تجعدت ملامحها پبكاء ثم قالت
و الله يا بيه هي اللي صممت تنضفهم و قولتلها عنك يا ست ندى هكمل انا مرضييتش أبدا و قالتلي نضفي انتي الصالون و….
صاح أدهم بحدة
خلاااص… و اللي حصل النهاردة ميتكررش تاني.. حطي العصير هنا و اتفضلي انتي..
وضعت العصير على اقرب طاولة ثم فرت من أمامه على عجل بينما تيسير قد داهمها الشعور بالذنب فهي من أخبرت ندى بأن تنظف غرفة نومها… و لكنها لم تطلب منها تنظيف غرف النوم الأربعة بالشقة.
حانت منها التفاتة ناحيتها لينمو بداخلها احترام أعظم من ذي قبل لتلك النائمة في سلام.
تنهدت تيسير بحزن ثم نهضت و هي تقول
طاب انا هقوم يا حبيبي أغير هدومي و انت كمان غير و ارتاحلك شوية على ما العشا يجهز.
هز رأسه عدة مرات لتنهض تيسير خارجة من الغرفة ثم أغلقت الباب خلفها.
أعاد رأسه للخلف مستندا الى الوسادة من خلفه ثم ظل محدقا في سقف الغرفة بشرود يفكر في ندى… تلك الفتاة الرقيقة ذات القلب الصافي النقي… التقية العفيفة.. كيف فضل عليها دارين صاحبة المظاهر و الطبقية…هو يدرك جيدا أن الحب لم يطرق له باب و لم يعلم له سبيل بعد… و لكنه لا يدري لما يشتاق لدارين حين تكون بعيدة عنه و ما ان يراها تصبح مثلها كأي فتاة بالنسبة له…حاول كثيرا تفسير تلك الظاهرة و لكنه لم يجد لها تفسيرا.
تنهد بحيرة ثم أدار رأسه ناحيتها ينظر اليها بتمعن.. ذاك الملاك النائم ذات الشعر الأسود القصير و غرة كبيرة غطت حاجبيها رموش كثيفة و طويلة بشړة خمرية ناعمة نعومة الأطفال و حين أخفض ناظريه ناحية قوامها الأنثوي المغطى بالشرشف الخفيف عاد سريعا ينظر أمامه و كأنها تشعر به… فهو لن يترك لنفسه العنان لتأمل ما حجبته عنه من جسدها مستغلا نومتها و عدم وعيها.
نظر لتلك البقعة الحمراء على كتفه متنهدا بعمق ثم
نهض أخيرا من الفراش ثم التقط ملابس بيتية من الخزانة و أخذها الى الحمام الصغير الملحق بغرفته.
بعد قليل خرج مرتديا بنطال قطني و تيشيرت أبيض ثم قام بأداء صلاة المغرب و بعدما انتهى تمدد بحوارها بالفراش محافظا على مسافة كبيرة بينهما.
التقط هاتفه ليتصل بآسر للمرة العاشرة و لكن مازال هاتفه مغلق الأمر الذي أثار قلقه البالغ أخذ يدعو الله أن تكون الأمور على ما يرام ثم غفى سريعا من فرط ارهاقه بالعمل.
دقت الثامنة مساءا و بدأت ندى تتململ بابتسامة مرتسمة على ثغرها فلازالت تغوص داخل ذلك الحلم الذي جمعها بأدهم و هي بأحضانه تنعم بقربه و تتنفس عطره و يدنو منها يلقي عليها من كلمات العشق و الهيام ثم بدأت تفتح عينيها ببطئ مستغربة تلك الحوائط رمادية اللون حاولت أن تتذكر آخر ما حدث و لكن مازالت الذاكرة مشوشة.
لفت نظرها ذلك الغطاء الذي يغطي جسدها لتواتيها الأحداث و
تتوالى على رأسها
خاصة حين
—
قبض أدهم على كتفيها
شهقت شهقة عميقة حين نظرت الى نفسها ثم الى أدهم الراقد بجوارها رغم تلك المسافة الجيدة بينهما فاستيقظ من غفوته على شهقتها العالية ليقول بصوت متحشرج
مالك يا ندى.. بقيتي كويسة!
سحبت الغطاء على نفسها حتى رقبتها ثم قالت و عينيها متسعتين و مغشيتين بالـ,ـدموع
كويسة!.. كويسة ايه و زفت ايه…أنا ايه اللي جابني هنا!.. و ازاي تنيمني على سريرك!.. و ازاي ت..
قاطعها بحدة مزمجرا
و الله الأسئلة دي تسأليها لنفسك… انتي ايه اللي جابك قوضتي !
سكتت تناظره و الـ,ـدموع تسيل من عينيها فأشفق عليها ليقول بحنو
انتي بټعيطي ليه دلوقتي!
ردت بصوت متحشرج من أثر البكاء
لو سمحت قوم هاتلي الاسدال بتاعي من قوضتي…
زفر پعنف ثم نهض من الفراش بتثاقل فاسترسلت كلامها
لما تخرج من القوضة انا هدخل الحمام استناك لحد ما تجيبه.
أومأ دون أن يتحدث ثم خرج من الغرفة و اغلق الباب خلفه و لكنه لسوء حظه قابل أمه في طريقه للغرفة..
مساء الخير يا حبيبي… ندى عاملة ايه دلوقتي.
ابتلع ريقه ليقول
كويسة يا ماما.
هي صاحية!
احم.. ايوة صاحية.
طاب انا هدخل أشوفها..
حاول أن يستوقفها بأي حجة و لكنها كانت قد فرت من أمامه قبل أن يقول أي شيئ و لكنه اكمل طريقه لغرفتها ليأتي لها بالاسدال.
طرقت الباب عدة طرقات ثم فتحت الباب و دخلت مباشرة لتجد الفراش خالي..
ندى… ندى..
أتى صوتها من المرحاض
أيوة يا ماما..
انتي كويسة يا حبيبتي!
اه كويسة.
طاب أجيلك أسندك.
لا لا أنا هاخرج اهو… اومال فين أدهم!
ابتسمت السيدة ظنا منها أنها قد اشتاقت اليه و أن الأمور بينهما على خير ما يرام ثم قالت
كنت شايفاه رايح ناحية قوضة المكتب… تقريبا عنده شغل مستعجل هيخلصه.
زفرت باحباط و انتظرت قليلا لعل تيسير تغادر الغرفة و لكن يبدو أنها لن تفعل فاضطرت للخروج لعلها تطمئن عليها ثم تخرج قبل ان يأتي أدهم.
خرجت ندى من المرحاض بذات الملابس لتقابلها تيسير بإبتسامة واسعة حين رأتها بحالة جيدة فاحتضنتها بحب ثم أخذتها من يدها و أجلستها بطرف الفراش و جلست بجوارها و هي تربت على كتفها بحنو ثم سألتها بترقب ظنا منها أن أدهم ماكث بغرفة مكتبه
ألف سلامة عليكي يا حبيبتي.. ايه اللي حصل!
معرفش انا اتزحلقت ازاي و راسي اتخبطت في حافة الدولاب و اتعورت.
مسدت على شعرها و هي تناظره باعجاب واضح ثم قالت
الحمد لله جات سليمة.. بس تعرفي تسريحة شعرك جميلة أوي و لايقة اوي على وشك.. و احسن حاجة بقى ان القصة الحلوة دي مغطية على الچرح اللي في جبينك.
أطرقت ندى رأسها بخجل لينسدل شعرها القصير مع غرتها الغزيرة لتغطي وجهها تماما في تلك اللحظة دلف أدهم و في يده الاسدال ليتفاجئ بجلوس ندى بذات الملابس الشبه عاړية مولية ظهرها له و أمه في مواجهته..
ادخل يا أدهم..
التفتت ندى ناحية الباب لتجده واقفا على الباب فانتفض جسدها لتنهض و كانت على وشك الركض من أمامه و لكنه كان أسرع منها حين وصل اليها قبل أن تتحرك ليترك الاسدال يسقط من يده ثم لف ذراعه حول خصرها و ضمھا الى جسده فتجمد جسدها پصدمة ليسرع أدهم قائلا قبل أن يصدر منها أي حركة تفسد ما ينتويه
ايه يا ماما هنصوم النهاردة ولا ايه!
ضحكت تيسير و هي تنهض واقفة
حالا يا حبيبي هخلي وفاء تجهز العشا… هسيبكم تجهزو..
ثم مرت من أمامهما و أدهم متشبثا بها للغاية فقد كانت ټقاومه بالخفاء و بمجرد أن سمعا انغلاق الباب نزعت ذراعه عن خصرها بحدة لتصيح پغضب دون أن تنظر له
انت قليل الأدب..
ثم فرت من أمامه ناحية المرحاض و لكنه لحق بها ليجذبها من ساعدها ثم اسند جسدها الى خزانة الملابس و احتجزها بين ذراعيه كل هذا تحت ذهولها من حركته السريعة و كأنها دمية يحركها كما يشاء
اهدي بقى… انتي مراتي.. فاهمة!
صاحت پغضب و هي تبكي
لا… انت اللي مش عايز تفهم.. مش كل شوية هقولك مينفعش.
و أنا غيرت رأيي.
تجلت ملامح الصدمة على ملامحها الباكية لبرهة ثم سألته بعدم استيعاب
قصدك ايه!
أجابها بتلقائية و بدون تردد
قصدي مفيش شروط في جوازنا… انتي مراتي لحد ما ربنا يأمر بحاجة تانية.
ضيقت عينيها بشك
بس دا مكانش اتفاقنا امبارح.
رد بجدية تامة
انسي أي اتفاق قلناه امبارح أو قبل كدا.
و ايه اللي غير رأيك!.
سكتت لحظة ثم قالت و كأنها قد استوعبت شيئا ما لتوها
اه عشان ماما تيسير رجعت و انت مقدرتش تكمل على اتفاقنا عشان خاېف من رد فعلها… مش كدا!
هز رأسه بنفي
لأ مش كدا.
قطبت جبينها باستغراب ليسترسل بجدية
أنا غيرت رأيي لأني اقتنعت اني مش هلاقي زوجة أحسن منك تشيل اسمي و أبني معاها حياة.
سكتت تحاول استيعاب كلماته و هي تنظر لصدق عينيه فابتلعت ريقها بصعوبة من فرط توترها اثر تلك المفاجأة ثم سألته بتوجس
أحسن مني من حيث ايه يعني!
مط شفتيه ليقول بنبرة جادة و مازال محتجزها بين ذراعيه المرتكزين على الخزانة
يعني.. بنوتة حلوة…مؤدبة.. متدينة.. خلوقة.. دكتورة… هعوز ايه تاني أكتر من كدا!.. اظفر بذات الدين تربت يداك.
تهدل كتفاها باحباط تسأله باستنكار
بس كدا!
هز كتفيه لأعلى ليقول بتعجب
انتي اكيد فيكي حاجات حلوة كتير.. بس دا اللي حاضرني دلوقتي.
أطبقت جفنيها لوهلة پألم ثم فتحتهما لتنظر إليه بملامح خاوية تلك النظرة أثارت قلقه ليسألها بتوجس
ايه يا ندى!… مش عايزاني!
تنهدت بحزن حاولت اخفاءه ثم قالت بنبرة جاهدت أن تبدو طبيعية
لا ازاي تقول كدا… انت كمان فيك صفات حلوة أي بنت مكاني تتمناها..
زي!
احساس المرارة يكاد ېقت.لها و البكاء يكاد يغلب على نبرتها و لكنها جاهدت لتبقي على نبرتها عادية و أجابته دون أن تنظر اليه تعدد مميزاته
ظابط وسيم… هيبة… هيئة جميلة.. شخصية قوية.. انسان جد اوي مالكش في اللف و الدوران..
حانت منه شبه ابتسامة ليفك حصارها أخيرا ثم قال بجدية و هو يمسد على قصة شعرها التي أعجبته كثيرا
تمام كدا نبقى متفقين… الشعر الجميل دا ميتغطاش قدامي تاني.. و عايزك تاخدي راحتك في اللبس.. متكتفيش نفسك بالاسدال طول اليوم… زي ما انتي شايفة محدش في البيت غيري انا و انتي و ماما.
أومأت بصمت و هي تكاد تفقد وعيها من لمسته التي خدرتها لا تدري أمن المفترض أن تفرح لكسر ذلك الحاجز المنيع الذي أقامه بينهما من أول ليلة لهما… أم تبكي لعدم شعوره ناحيتها بشطر ما تكنه له من عشق… أي عشق هذا… لا لا… بل انها متيمة به و هو لا يدري.
تمنت لو كانت أسبابه متعلقه بوقوعه في حبها و لكنه خذلها و حطم أمالها بسرده أسباب لا تكفيها البتة.. و لكن يكفي قلبها ذلك القرب الذي تمنته كثيرا في أحلامها.
غيري هدومك دي يلا عشان نتعشى سوا.
طاب هات الاسدال… انا مش هخرج من القوضة كدا..
أخذ يحك ذقنه بحيرة
و بعدين!!.. انتي لو خرجتي غيرتي في قوضتك ماما هتاخد بالها.
هو دا كل اللي يهمك يعني!
أنا بس مش عايز نفتح في حوارات ملهاش لازمة بعد ما خلاص
اتفقنا نكون مع بعض دايما.
هزت ساقها بعصبية و هي تهتف بانفعال
و انا مش هقعد باللبس دا.
طيب خلاص انا هخرج اقعد مع ماما لحد ما تخلصي و تعاليلنا قوضة السفرة.
أومأت و هي تهز رأسها ثم تركها و خرج من الغرفة و بمجرد أن سمعت صوت انغلاق الباب هوت بجسدها على الفراش و هي ممسكة بموضع قلبها الذي ينبض پعنف… لقد وعدها للتو ببقاءه معها لآخر العمر.. لا تصدق… سيصاب قلبها بالاڼهيار من فرط المشاعر المتضاربة التي توالت عليها… فرح.. بكاء… اثارة…
لا تدري ماذا يتعين عليها أن تفعل الان…
بسم الله الرحمن الرحيم
الحلقة الثالثة عشر
في محافظة سوهاج..
كان معتصم قد أرسل سابقا خفيره سمعان الى ريم بالوحدة الصحية يطلب منها رقم هاتفها حتى اذا ما مرضت أمه أو حدث جديد بحالتها الصحية اتصل بها لعلها ترشده الى ما عليه فعله و قد رحبت لذلك و لم تمانع حبا لتلك السيدة فقامت بتدوينه على ورقة و كتبت أعلى الرقم دريم الكيلاني و قد قام معتصم بتسجيله بهاتفه ثم أرسل لها رسالة عبر الواتساب يخبرها برقمه لكي تحفظه لديها و قد فعلت.
و في المساء كانت الفتاتان جالستان بالسكن الخاص بهما الملحق بمبنى الوحدة الصحية بالطابق العلوي لها…
و هو عبارة عن غرفة نوم بها تختان و خزانة ملابس و طاولة الزينة و صالة بها طاولة طعام مستديرة و أريكتان و مطبخ صغير بالكاد يتسع للموقد و حوض غسل الأطباق و أيضا مرحاض صغير.
لا لا انا مش معاكي خالص يا مارتينا…. أنا شايفة ان حمد احسن من معتصم… تحسيه ذوق كدا و بيفهم.. مش زي اخوه الإتم دا.
قالتها ريم و هي تحتسي الشاي مع صديقتها لترد مارتينا بسخرية
انتي طلعتي غبية و مبتفهميش.
أشاحت بيدها و هي تقول بنزق
يابنتي انتي باصة للجسم و الهيئة.. أي نعم حمد مش زي معتصم .. بس مازلت عند رأيي ان حمد چان أكتر… و بعدين يا ستي بقى بلا معتصم بلا حمد.. سيبك انتي… و خليني اتمزج بكوباية الشاي بالنعناع دي.
ضحكت مارتينا بقهقهة على كلمات صديقتها ثم صبت جل تركيزها في كوبها أيضا.
بينما في ذلك الحين تماما كان الليل قد أسدل ستائره و حركة الأقدام قد قلت بل تكاد تكون اختفت من المنطقة المحيطة بمبنى الوحدة الذي تحفه الأراضي الزراعية من جهتين و الثالثة محفوف بالمنازل و الطريق من أمامه فتلك عادة أهل البلدة اغلاق منازلهم و الخلود الى النوم مبكرا للغاية.
كان هناك بالأسفل رجلان ملثمان كان لتوهما قد تسلقا السور العالي للوحدة قافزين إلى الداخل تقدم أحدهما إلى تلك النافذة المطلة على الحديقة بالطابق الأرضي و التي كان من السهل الوصول اليها و قد قام بخفة بفصل الحاجز الحديدي باستخدام آلة معه ثم بسهولة كسر درفتي النافذة و دلف الى داخل المبنى تلاه زميله.
تسللا بخفة الى الطابق العلوي حيث سكن الأطباء المغتربين.
أحدث أحدهما جلبة خارج السكن لكي تنتبه إحداهما و تقوم بفتح الباب و من ثم يقتحمان السكن.
و بالفعل شعرت مارتينا بصوت غريب بالخارج فتركت الكوب من يدها لتتجه ناحية باب السكن بينما ظلت ريم منشغلة بتفقد هاتفها و تصفح الفيسبوك و لم تنتبه لذلك الصوت الغريب.
سمعت ريم صوت صړخة مكتومة فأصابها الفزع و ركضت باتجاه الباب لتلمح جلباب أحد الملثمين فاتسعت عينيها پذعر و التقطت حجابها سريعا تضعه على رأسها ثم خرجت بهدوء تختبئ بالمطبخ و مازالت ممسكة بهاتفها.
لمحت جسد مارتينا مسجي على الأرض
بجوار باب السكن المفتوح
و يبدو أنها فاقدة للوعي فازداد ذعرها أكثر و رفعت هاتفها أمام عينيها
—
المذعورتين و أول من أتى بخاطرها هو معتصم.
بيدين مرتعشتين قامت بالاتصال به و قد علت دقات قلبها بطريقة چنونية من فرط الخۏف و بعد ثواني أتاها صوته المتعجب لتقول بنبرة مهزوزة مړتعبة
م معتصم..
و قبل أن يجيبها كان قد رآها أحد الرجلين ليسقط الهاتف من يدها و هي تصرخ بملئ فمها بينما على الجهة الأخرى انتفض معتصم من فراشه حين أتاه صړاخها و انقطع الاتصال بعدها.
أعاد الاتصال بها عدة مرات و لكن الهاتف مغلق..
ازدادات دقات قلبه من فرط القلق و في غضون ثواني كان قد ارتدى جلبابه و اتجه سريعا نحو غرفة شقيقه و قام بايقاظه
حمد.. حمد.. قوم معايا بسرعة.. في مصېبة حصلت لريم..
رد بصوت ناعس
ريم مين!
اصحى و ركز معايا كدا… الدكتورة ريم اللي كانت عندنا النهاردة.
هب حمد من الفراش واقفا و هو يهتف بقلق
ايه اللي حصل!
جذبه من ذراعه و سار به الى خزانة ملابسه و هو يصيح بقلق بالغ
انت لسة هتسأل يا حمد… البس و اخلص.. انا هنزل اصحي الغفر على ما تلبس و هات سـ,ـلاحک معاك.. بسرعة.
أومأ حمد و شرع في تبديل ملابسه و في غضون دقائف قليلة كان معتصم يسير مهرولا الى الوحدة بجواره حمد و خلفه ثلاثة من الخفر بينهم سمعان و بحوذتهم أسلحتهم الخاصة بخلاف العصى الغليظة الشوم.
لم ېكذب حدس معتصم فبعدما فتح سمعان البوابة الحديدية بالمفتاح الاحتياطي الذي بحوذته و دلفوا الى الداخل تبين له النافذة المکسورة و التي عبروا خلالها و هو يركض بعدما أصابته حالة من الهيستريا فقد هوى قلبه بين قدميه حين تخيل أن مكروها قد أصاب ريم..
صاح بڠصب مزمجرا كالأسد الجريح و عند مقدمة الدرج
سمعااان خود الرچالة و اجلبلي الارض عاليها واطيها لحد ما تلاجي الكلاب اللي عملوا اكده… و رب العزة ان عاودت من غيرهم لأكون امعلج رجبتك على باب البلد…هم بسرعة.
ثم أخذ الدرج في خطوتين و ركض خلفه حمد يلحق به.
تفاجئ بجسد مارتينا المسجي على الارض بجوار الباب ليصيح بحمد
حمد بسرعة شيل مارتينا ډخلها جوا و حاول تفوقها.
أومأ حمد و انحنى لمستواها ليبدأ ما أمره به معتصم..
بينما معتصم ركض الى غرفة النوم فلم يجدها فخرج سريعا ليأتيه صوت شهقاتها العالية من المطبخ فركض نحوها بسرعة يتفقدها فوجدها منكمشة على نفسها على أرضية المطبخ مرتدية بيچامة النوم و الحجاب بالكاد يغطي نصف شعرها و … تتنفس بصعوبة و كأنها ټصارع للبقاء على قيد الحياة و عينيها بالكاد تفتحها و كانت بعالم آخر كأنها لا تشعر به…. فقد أصابتها نوبة هلع.
قبض معتصم على كتفيها برفق يهزها و هو بالكاد يسيطر على انفلات اعصابه ثم ناداها بهدوء عكس ما يختلج بكيانه كله
ريم.. اهدي.. اهدي يا ريم… اتنفسي براحة.. خودي نفسك براحة..
و لكنها لم تستجب له بل علت وتيرة تنفسها أكثر و الـ,ـدموع أغرقت وجنتيها فلم يجد بدا من احتضانها فهو يدرك جيدا أنها قد أصيبت بنوبة هلع و لن يجدي معها نفعا سوى تلك الطريقة..
جذبها الى حـ,ـضنه ليشعر بتلك النبضات العڼيفة التي ټضرب صدرها بضراوة حتى أن صداها تردد بصدره فأخذ يمسد على رأسها تارة و يربت على ظهرها تارة أخرى و هو يردد بعض الكلمات المهدئة بجوار أذنها بنبرة حنونة للغاية
ريم خلاص انتي في أمان… اهدي.. اتنفسي براحة يا ريم… خلاص مشيوا.. اهدي.. خودي نفسك براحة خالص..
بدأت تستجيب له بعدما تسلل اليها ذلك الشعور بالأمان علاوة على الدفئ النابع من احاطته لها و بدأت شهقاتها تقل رويدا رويدا و نبضات قلبها بدأت في الانتظام بالتزامن مع انتظام وتيرة تنفسها حتى انغلق جفنيها و استسلم جسدها للنوم بعدما أنهكته تلك الحالة المرعبة فشعر بثقل رأسها على صدره ليتنهد بقليل من الارتياح و لكنه أبقاها بحـ,ـضنه برهة بعدما غزى قلبه نحوها ذلك الشعور الغريب بالتملك و كأنها تخصه…و كأنها ملكا له.
تجاهل تلك المشاعر التي تملكته فهذا ليس وقتا مناسبا لاستكشاف المشاعر و من ثم قام بحملها برفق شديد حتى أدخلها غرفة النوم و وضعها على الفراش و دثرها جيدا ثم ألقى عليها نظرة أخيرة و خرج مغادرا الغرفة.
خرج ليجد حمد قد وضع مارتينا على الأريكة الكائنة بالصالة و يحاول افاقتها حتى بدأت تتململ و تفتح جفنيها بصعوبة الى ان استعادت وعيها كاملا لتنهض من نومتها و هي تبكي بشدة ثم أخذت تدير ناظريها بين حمد و معتصم الذين جلسا على الأريكة المقابلة ينظرون نحوها على استحياء لتهتف باستغراب بنبرتها الباكية
معتصم بيه!…انت جيت هنا امتى!.. و عرفت منين!
أقبل عليها و هو يغض نظره عنها ثم قال بجدية
مش مهم عرفت ازاي… المهم احكيلي اللي حصل بالظبط.
بدأت شهقاتها تعلو ثم ما لبثت أن تذكرت صديقتها لتصيح بهلع
ريم… ريم فين!… عملوا فيها ايه!…
مټخافيش يا مارتينا ريم بخير..
كان ذلك رد حمد لها فهتف معتصم بنفاذ صبر
ريم نايمة جوا… قوليلنا بقى ايه اللي حصل!
حاولت السيطرة على أعصابها التالفة ثم بدأت في سرد ما حدث أمامها
أنا و ريم كنا سهرانين و بنشرب شاي.. و فجأة سمعت صوت برا باب السكن فافتكرتها قطة قولت اشوفها يمكن تكون عطشانة… بس ريم مكنتش واخدة بالها.. خرجت و بمجرد ما فتحت الباب لقيت قدامي اتنين متلتمين مش باين منهم غير عيونهم.. واحد منهم خبطني على دماغي و محستش بحاجة بعدها.
انخرطت في البكاء مرة أخرى ثم ما لبثت أن صړخت عاليا حين نظرت ليديها
يا نهار اسود… دهبي.. سرقوا دهبي..
تحسست رقبتها لتتفقد سلسالها الذهبي و لكن أيضا لم تجده فازداد نواحها أكثر بينما معتصم أخذ يطمئنها و هو يغلي من الڠضب
اهدي يا مارتينا… هرجعلك كل اللي سرقوه متقلقيش…أنا عايزك تقومي دلوقتي تلمي كل هدومك و متعلقاتك و ريم كمان صحيها و قوليلها تلم حاجتها كلها عشان هاخدكو معايا الدوار…
نظر لحمد ليقول بنبرة آمرة
و انت يا حمد قوم اوصل الدوار هتلاقي مفاتيح عربيتي في درج الكومود بتاعي خودهم و هات العربية و ارجعلي على هنا.
أومأ حمد ثم نهض متجها إلى حيث أمره أخوه.
بينما معتصم ترك مارتينا لتقوم بما أملاه عليها و هبط الى الطابق الأرضي للوحدة ليتفقد المكان ربما يجد ما يدله على هوية هؤلاء اللصوص استل هاتفه من جيب جلبابه ليجري اتصال برجاله
ها يا سمعان وصلت لايه!…
قطرناهم يا كبير بس بيهربوا منا وسط الاراضي.. بس و الله ماهنسيبهم لو هيچرونا وراهم البلد كلاتها..
اضرب عليهم ڼار ان لزم الامر يا سمعان..
أوامرك يا كبير..
أغلق الهاتف ثم أخذ يدور في غرف الوحدة و يتفقدها بحرص و بعد عدة دقائق هبطت اليه مارتينا تناديه و يبدو عليها الانزعاج الشديد
معتصم بيه… ريم مڼهارة و مصممة ترجع القاهرة دلوقتي.
لم ينطق بحرف بل صعد اليها مرة أخرى على عجل ثم طرق الغرفة المفتوحة بابها ليأتيه صوت شهقاتها العالية فتقدمت مارتينا من الخارج
اتفضل ادخل يا معتصم بيه.. ريم لابسة حجابها.
دلف اليها ليجدها تجلس على حافة الفراش مرتدية ملابسها المعتادة من قميص نسائي طويل أسود اللون و بنطال چينز ضيق و حذاء رياضي أسود و حجابها أيضا من اللون الأسود و بكائها عبارة عن شهقات فقط و وجهها محمر من شدة الانفعال.
دكتورة ريم اتفضلي معايا ف..
قاطعته بصړاخ
انا مش رايحة في مكان… انا هرجع بيتي في القاهرة… و دلوقتي.
كانت تتحدث و عينيها زائغة في مكان آخر و يبدو أنها على حافة الاڼهيار العصبي..
فاقترب منها واقفا يحدثها برفق
هتروحي القاهرة ازاي دلوقتي!.. انتي عارفة الساعة كام!
ردت بذات الانفعال
همشي يعني همشي.. مش قاعدة دقيقة واحدة في البلد دي… انا عايزة اروح بيتي..
أخذت تردد العبارة الأخيرة و هي تشهق بأنفاسها التي بدأت تضيق و تزداد فخشي أن تأتيها نوبة الهلع من جديد و أدرك أنها ليست في وعيها الكامل.
ريم اهدي بقى عشان نعرف نتفاهم.
و لكن كان ازدياد شهقاتها هو ردها عليه لينظر الى مارتينا و هو يقول بنبرة ذات مغذى
لو سمحتي يا مارتينا هاتيلها كوباية مية يمكن تهدى شوية.
أدركت مارتينا أنه يريد الانفراد بها لعله يقنعها بالعودة معه الى الدوار فأومأت له و خرجت من الغرفة.
تقدم منها حتى نزل على ركبتيه على الأرض ليكون رأسه في مستوى رأسها و دون أن يلمسها أخذ يتحدث اليها بهمس حاني
ريم اهدي بقى… اتنفسي براحة..
نظرت له بعينين محمرتين من فرط البكاء ثم قالت بعدوانية
مش ههدى غير لما ارجع بيتي.
أشاح برأسه للجهة الأخرى متنفسا بعمق ثم نظر لها مرة أخرى ليقول بذات النبرة الحانية
طاب بطلي عياط و أنا هعملك اللي انتي عايزاه.
أيضا لم تهدأ شهقاتها و لو مقدار شهقة واحدة بل شفتيها ترتجفان بالتزامن مع ارتجاف يديها و اهتزاز جسدها بالكامل من فرط الانفعال فنظر لعينيها بعمق ثم قال و هو يتلاعب بها بمكر
الظاهر كدا عجبك حضڼي..
اتسعت عينيها پصدمة و توقفت حركة جسدها تماما فابتسم بانتصار و استرسل بمزيد من المكر و بهمس مثير للغاية
ماهو أصل حضڼي هو اللي بيهديكي.
بدأت تواتيها ذكرى الأحداث الماضية حين قام باحتضانها حتى هدأت أثناء نوبة الهلع لتحمر وجنتيها خجلا و تهب واقفة من الفراش مولية ظهرها له ليقف هو الآخر ليقول بجدية
أخيرا هديتي!… ريم خلينا نتكلم بالعقل شوية.
استدارت له لتتحدث بحدة و هي تنظر أرضا
أنا حقيقي مش هقدر أكمل هنا تاني… أنا هعمل محضر و هقدم على طلب نقل للقاهرة.
حين أدرك أنها تذكرت ما حدث و عادت لوعيها عاد أيضا لغلظته التي عاهدته عليها فرد بنبرة قاطعة و بحدة بالغة
مفيش محاضر هتتعمل… حجك انا هعرف اچيبهولك و كل اللي اتسرج منيكم هيرچع.. ماهو مبجاش كبير البلد دي لما شوية اكلاب يغفلوا ضيوفي و يسرجوهم.. كانهم مفكريني طرطور وسطيهم.
ابتلعت ريقها بصـ,ـعوبة من رهبتها و هتفت به بنبرة مهتزة
انت بتزعقلي كدا ليه!
و ان ما نزلتي امعايا دلوق هتشوفي اللي مش عتحبي تشوفيه واصل يا ست الضاكتورة.
ردت پخـ,ــ,ـوف نوعا ما
انت من شوية كنت كيوت… انت بتقلب مرة واحدة كدا ليه!
كتم ضحكته بصعوبة بالغة محافظا على وجهه الصارم و نبرته الغليظة متجاهلا رأيها به
همي يلا لمي هدوماتك… حمد مستنينا تحت.
لكنها حاولت أن تتحلى بالشجاعة لتقول بنبرة قاطعة
أنا مش هتحرك من هنا و اروح أبات في بيت واحد غريب عني بدون علم أهلي…
رغم شعوره بالاعجاب و الاحترام الشديد لتقريرها بذلك الا أنه تأفف بنفاذ صبر
معناته ايه كلامك!
انكمشت ملامحها و كأنها ستعود من جديد للبكاء حين
تذكرت حاميها و
سندها في الحياة فهي الآن
في أشد الاحتياج إليه و لكلماته المطمئنه و لحـ,ـضنه الآمن الذي تلجأ اليه حين
—
تضيق بها الضوائق…لتقول بنبرة طفولية أوشكت على البكاء
أنا عايزة أدهم… أنا عايزة أكلمه… أنا هقوله ييجي ياخدني من هنا…
ثم أخذت تدور حول نفسها و كأنها تبحث عن شيئ ما فاستنفرت عروق رقبته پغضب بالغ حين ذكرت ذلك المجهول بالنسبة له و لكنه حاول أن يتحلى بالهدوء ليسألها بجدية
انتي بتدوري على ايه..
بدور على تليفوني عشان أكلم أدهم..
جذبها من ذراعها و هي منحنية تبحث عن الهاتف لتعتدل أمامه ليصيح بها بعدم وعي منه
أدهم مين اللي عايزة تكلميه دا!.. يبقالك ايه!
نزعت ذراعها منه پغضب جامح لتصرخ بانفعال
متلمسنيش تاني… انت فاهم!.
أخذ نفسا عميقا يحاول به تهدئة نفسه ثم زفره على مهل ليقول بهدوء نوعا ما
يا بت الناس اعجلي اكده و خلونا نخفى من اهنيه و بعدين كلمي اللي تكلميه..
ثم ما لبث أن تذكر شيئا ما و هي مازالت تبحث
و بعدين الحرامي سرج كل حاچة مخلاشي حاچة واصل.. حتى دهبات زميلتك سرجها… يعني لا حيلتك افلوسات و لا تلفونات و لا أيتها حاچة واصل.
اتسعت عيني ريم پصدمة لتقول بملامح مشدوهة
يعني ايه!.. يعني مش هعرف أكلم أدهم!
رد و هو يكظم غيظه بصعوبة
لو حافظة رقمه خودي تلفوني كلميه.
لا مش حافظاه… مسيفاه على الموبايل… مش حافظة أي ارقام خالص.
طاب خلاص اكده مفيش جدامك غير انك تاچي امعايا.. و مټخافيش.. هتباتي في المضيفة اللي چار الدوار يعني بعيد عن اللي بايتين في الدار.. و في غفر بيحرسوا المضيفة لما بيكون عندينا فيها ضيوف.. يعني انتي امعايا في أمان و محدش يجدر يدوسلك على طرف طول مانتي في حماية الكبير.
تهدل كتفاها باحباط لتهز رأسها بإيماءة بسيطة كناية عن قلة حيلتها و موافقتها على عرضه فما لبث أن زفر بقوة ثم قال
أخيرا راسك اللي كيف الحچر الصوان دي لانت.. دا انتي طلعتي واعرة جوي.
رمقته بنظرة متحدية
و الله لولا الظروف اللي زي الزفت دي و الدنيا اللي متقفلة في وشي دي ما كنت وافقت أبدا على كلامك.
حانت منه شبه ابتسامة ليقول بنبرة متهكمة
معلهش.. ما يوجع الا الشاطر… بس… احم… ألا مين أدهم اللي عايزة تكلميه!
أدهم أخويا الكبير… مبعرفش أعمل أي حاجة بدون علمه.
قطب جبينه باستنكار
باه.. باينه واعر جوي و بتهابيه.
هزت رأسها بنفي
لا لا مش زي ما انت فاكر… بالعكس دا من حبي و احترامي ليه… أدهم دا مفيش أحن منه.
أومأ عدة مرات و هو يقول
ربنا يباركلك فيه… بينا يلا ننزلو لحمد.
بقلم دعاء فؤاد
بسم الله الرحمن الرحيم
الحلقة الرابعة عشر
ر
بينما كانت ندى تجالس السيدة تيسير يتمازحان و يضحكان على مواقف من الطفولة حين كانت ندى طفلة صغيرة تعيش بينهم قبل اغتيال والدتها و انتقالها مع أبيها الى الولايات المتحدة تفاجئا بأدهم يخرج من غرفته ركضا مرتديا بنطال چينز أسود و قميص أسود ينتعل حذائه فركضت اليه ندى تسأله بقلق
أدهم انت بتجري كدا ليه!.. ايه اللي حصل و رايح فين!
أجابها باستعجال و هو يعقد رباط حذائه
لسة مكلم آسر دلوقتي بعد ما جاتلي رسالة انه تليفونه متاح.. و قالي ان خطيبته عملت حاډثة و في المستشفى بين الحيا و المۏت.
شهقت السيدة تيسير حين استمعت لذلك و أخذت تردد
لا حول و لا قوة الا بالله… حبيبي يا آسر… ربنا ينجيهاله يابني.. خلي بالك من نفسك يا أدهم و انت سايق عشان خاطري.. و ابقى طمنى يابني.
أومأ عدة مرات ثم فتح باب الشقة سريعا و هبط الدرج ركضا ثم استقل سيارته متجها الى مشفى الدكتور رؤف…
بعد حوالي نصف ساعة وصل أدهم الى طابق العناية المركزة ليلفت انتباهة تلك المشاجرة القائمة بين آسر و حماه في ركن ما بالطابق..
يا عمي قولتلك سيب ميريهان هنا و أنا هفضل جنبها مس هسيبها…
صاح بها آسر بانفعال بالغ و هو يلوح بيده و يبدو أن الشجار قائم منذ فترة و قد احتدم بينهما للغاية فمن ثم رد محمد بانفعال أشد
دول بناتي أنا.. و انت مالكش الحق تقرر عني.. أنا هاخد بناتي الاتنين و هسافر شئت أو أبيت.. و رأيك ميهمنيش و مش مستني اخد الاذن منك.
استنفرت عروق آسر پغضب جامح ليصيح بصوت حاد
أنا مش هسيبها.. انت عارف ان بينها و بين المۏت شعرة… ليه تبهدلها في السفر.. سيبها ټمـ,ـوت هنا قدام عيني.
أخذ محمد يلوح بيده موجها حديثه لوالد آسر
ما تلم ابنك يا سعيد… أنا حر في بناتي أنا الوحيد اللي هنا صاحب القرار… هو مالهوش أي صفة.. خطيبته خلاص ماټت… خوده بقى و امشو من هنا..
التمس سعيد العذر لمحمد و لم يعاتبه أو ينجرح من كلماته اللاذعة فجرحه غائر و يبدو من مظهره الغاضب أنه ېمـ,ـوت في اللحظة ألف مرة فأي شخص في مكانه لما تحمل ما يتحمله الآن…
بينما كان أدهم يتابع المشاجرة بذهول… فهل حقا ميريهان ماټت!
نفض رأسه سريعا ثم تدخل ليجذب آسر من ذراعه بعيدا عن حماه فلا الوقت ولا المكان مناسبان لتلك المهزلة..
آسر ميصحش تزعق قصاد حماك بالطريقة دي…
أوشك آسر على البكاء ليقول بمرارة
ميريهان خلاص مخها ماټ و كلها ساعات و القلب يقف و السر الالهي يطلع…ياخودها يعالجها برا ليه يا أدهم و العقل بيقول ان حالتها مالهاش علاج.
ربت أدهم على كتفه بمواساة و هو بالكاد يسيطر على حزنه الذي أثاره صديقه بداخله ليقول بجدية و هدوء في ذات الوقت
الله يكون في عونه يا آسر… محدش حاسس باللي هو فيه… سيبه يعمل اللي يريضيه طالما كدا هيكون مرتاح.. مش كفاية الابتلاء اللي هو فيه!
رد عليه بنبرة قاطعة
مش هقدر اسيبها…سفرها ألمانيا مالوش أي لازمة.. ليه عايز يبعدها عني الشوية اللي فاضلين في عمرها!!
أقبل عليهما سعيد والد آسر ليقول موضحا
اللي انت متعرفهوش يا أدهم ان مودة هي كمان حالتها خطېرة و محتاجة تدخل جراحي في اقرب وقت و محمد هيسفرها المانيا و هياخد ميري نفس المستشفى… أب و عايز بناته معاه أيا كانت حالتهم ايه.. مالناش أي حق اننا نعترض على قراره.
هز أدهم رأسه عدة مرات ثم تطلع لآسر بعتاب
لا يا آسر مالكش حق في وقفتك و اعتراضك.. الراجل في البلاء الشديد دا و انت عمال تقاوح معاه!… يا أخي سيبه يعمل اللي في مصلحة بناته.. دا بدل ما تقوله اللي تشوفه يا عمي انا معاك فيه!
أطرق رأسه بحزن و ضيق و هو يكاد يختنق من فرط الضغط سواء من أدهم أو من أبيه ليقول بأسى
محدش حاسس بيا…ميري واخدة روحي معاها.. مش هقدر أسيبها… مش قادر.
جذبه أدهم الى حـ,ـضنه ليربت على ظهره يواسيه فأطلق آسر لعينيه العنان ليفرغ ما بقلبه من حزن.. أسى… انكسار.. علاوة على ذلك الخواء الذي خلفته تلك المسكينة في قلبه ليهتز جسده من شدة البكاء.
اصبر يا آسر… أومال ابوها يعمل ايه… هو دا عمرها.. محدش بياخد ساعة زيادة عن عمره اللي ربنا كاتبهوله… ان شاء الله يا حبيبي تقابلها في الجنة.
بدأ يهدأ رويدا رويدا إثر كلمات أدهم التي نزلت على قلبه كالماء البارد فاستخرج منديل من جيبه أعطاه له فأخذه آسر منه و أخذ يجفف عينيه و هو يردد بصوت متحشرج من أثر البكاء
إنا لله وإنا إليه راجعون…
ادخل ودعها و بص عليها للمرة الأخيرة قبل ما الاسعاف ياخدها.
أومأ بخضوع ثم ابتعد عن صديقه ليسير بلا روح الى العناية المركزة يستأذن الطبيب ليودعها الوداع الأخير في حين كان محمد ينهي اجراءات سفره بابنتيه.
صدح أذان الفجر في سماء القاهرة حين أقلعت الطائرة المجهزة بوحدة عناية مركزة متحركة تقل مودة و ميريهان و والدهما و الدكتور رؤف و معهما فريق طبي لاحتمالية حدوث أي أمر غير مرغوب فيه أثناء نقل المريضتين.
و بمجرد أن أقلعت الطائرة نزل آسر على ركبتيه على أرضية المطار و بكى و كأن روحه تصعد في السماء… لا يصدق أن هذا نهاية طريقة مع من استحوذت على قلبه و ملكته بلا منازع.
نزل أدهم الى مستواه ليحيط كتفيه بذراعه و تركه يفرغ ما بنابضه… فقد امتلئ القلب حتى فاض بالحزن.
بينما ندى لم تنم ليلتها قلقا على أدهم فقد أدت صلاة الفجر و قرأت وردها و ها هي الشمس قد أوشكت على الشروق و لم يعد بعد.
خرجت لتجلس في صالة الاستقبال المقابلة للباب حتى تراه حين يعود لعل قلبها يطمئن.
غفت على الأريكة دون أن تشعر و قد كانت لازالت بملابس الصلاة و في تلك الأثناء عاد أدهم و علامات الارهاق متجلية على ملامحه ليقابل ندى و هي غافية على الأريكة.
ندى.. ندى.
فتحت عينيها بصعوبة لتقول بصوت ناعس
أخيرا رجعت يا أدهم!
انتي ايه اللي منيمك هنا!
اعتدلت لتأخذ وضع الجلوس ثم أجابته بصوت متحشرج من أثر النوم
قلقت عليك لما اتأخرت… فصليت الفجر و قعدت أستناك هنا.
حانت منه ابتسامة باهتة ثم انحنى ليجذبها من يدها لتقف قبالته ثم قال
طاب ادخلي نامي بقى… انا قدامك اهو كويس.
هزت رأسها ثم سحبت يدها من يده و من ثم سارت باتجاه غرفتها و حين تبين له ذلك سار خلفها ليستوقفها بقبضة يده على يدها و هو يقول
انتي رايحة فين!
أجابته ببراءة
رايحة أنام في قوضتي..
أدارها لتقف في مواجهته ثم رفع يديه لمستوى رأسها ليقوم بفك حجابها و هو يقول
احنا مش اتفقنا اننا هننام في قوضة واحدة!.. و شعرك دا ميتغطاش قدامي!
أطرقت رأسها بخجل
انت مقولتش اننا هننام في قوضة واحدة.
صدرت منه ضحكة بسيطة ثم قال بمكر
أومال احنا هنتجوز ازاي!.. هنتجوز عن بعد مثلا!
احمرت وجنتيها خجلا و هي تنظر له بجحوظ ثم تهربت بعينيها من النظر بعينيه فازدادت ضحكاته أكثر من ذي قبل ثم رأف بحالة التوتر التي أصابتها بالتزامن مع خجلها الزائد و أخذها من يدها و سارا سويا باتجاه غرفته و قد سارت معه بلا اعتراض.
أنا هدخل الحمام أخد شاور و اتوضى عشان أصلي وانتي خودي راحتك.. اعتبري نفسك لوحدك في القوضة.
أومأت بصمت و بمجرد أن اختفى عن ناظريها خلعت اسدالها لتظهر تلك البيچامة البيضاء من الستان التي أظهرت ذراعيها ثم تمددت على أقصى طرف الفراش و تدثرت جيدا بالغطاء الخفيف بعدما ضبطت درجة حرارة المكيف على البارد و دون أن تشعر هوت في سبات عميق… فأحداث اليوم لم تكن بالقليلة ما جعلها تهرب من تلك البداية الجديدة بالنوم.
بعد عدة دقائق خرج أدهم من المرحاض مرتديا ملابس النوم فتفاجئ بها نائمة بأقصى الفراش و كأنها على حافة السقوط ليضحك بسخرية
و هو يهز رأسه بيأس ثم
قام بفرد سجادة الصلاة ليؤدي صلاته و بعدما انتهى تمدد بجوارها ثم أخذ يتأملها قليلا