زكيه 4

متمددة على الفراش تنظر للفراغ بشرود و قد طغى الحزن عليها، وهي تتذكر آخر ما حدث منذ أسبوعين حيث أتى بقية أفراد العائلة، و هنا تحدث إسلام و أخبرهم عن ذلك السر الخطير الذي أخفته طيلة تلك السنوات دون أن يعلم به أحد.
و ما إن انتهى من سرده حلت عليهم صاعقة رعدية، ولم تختلف حالتهم عن خاصته شيئاً و كلاً منهم يسبح في واديه.
أيوب الذي يأكله الن[أثر] و الحسرة عما أقترف بحقها في كل مرة فهو لم يظلــ,,ـــــمها مرة بل كرر ذلك العديد من المرات دون أن يعبأ بشيء آخر.
تساقطت [أثر]وع توحيدة قهراً على ابنتها التي لم تذق يوماً هنيئاً، فهي تعلم بعشقها لإسلام الذي تراه مسطر في عيني ابنتها و مدى تعلقها به منذ أن كانت طفلة، وكم هي سعيدة بتلك الحقائق التي ستغير موزاين ابنتها التي ظُلمت مراراً و تكراراً افتراءً و ظلــ,,ـــــماً ليس إلا.
موسى الذي شلته الص[أثر]ة عن الحركة، لا يصدق أن ابنه فعل كل هذا، كيف كان يرتدي قناع المثالية بينما

لم تتغير طباعها، سليطة لسان، مندفعة، متهورة، شرــ,,ـــــسة،لينة، حنونة، لا يحمل قلبها ذرة كره، ولكن إن تعدى أحد حدوده معها تقف له بالمرصاد، قوية، هشة، بها كل شيء و نقيضه، و نجحت في ما فشل فيه سابقاتها من اللواتي توددن له و تمنوا فقط لو ينظر لهن، لتأتي هي و تخطف لُبّه بعد أن نجحت في أسره طيلة هذه المدة، كما نجحت في أهم شيء أن تلقي بمياه مغلية على ذلك الجليد الذي يظهره لينصهر و يذوب، لم ينجح أحد في إثارة انفعالاته سواها، إلا أنه يحفظ ماء وجهه عن[أثر]ا يتحكم بتأثيرها عليه فلا يظهر عليه شيء تلاحظه وهذا ما يرغبه، فغروره الذكوري لا يزال يتحكم في زمام الأمور.

فاق من شروده على دفعة أخرى منها، فهتف بحنق :- دة أنتِ لو في حلبة مصارعة مش هتعملي كدة!

تنهد باستسلام لينهض و يعدل وضعيتها جيداً، بينما هي لا تشعر بشيء ثم تمدد جوارها مجدداً وهو يتطلع لها بحب، و شرد في هؤلاء المحيطين بها و كيف سيتصرف معهم فلن يسمح لأي منهم أن يمسوها بسوء.

بدأت ترمش بأهدابها الطويلة، و فتحت مقلتيها وهي تتمطئ بكسل غافلة عن تلك الأعين التي تتفرسها بإفتتان، اتسعت عيناها بذعر من رؤيتها له بجوارها فشهقت قائلة :- أنت بتعمل إيه هنا جنبي؟ اه بان على حقيقتك يا سافل يا قليل الأدب يا……….

ابتلع باقي حروفها بجوفه، ليوقف وابل الشتائم التي يطلقها لسانها البذيء، وابتعد عنها بعد فترة قائلاً بحنق :- أنا بصراحة حطيت صوابعي العشرة في الشق منك، عاوز أشتريلك كُتيب يقولي إزاي أفهم اللي جوة [أثر]اغك دي..
ثم أضاف بسخرية :- دي لو كان في [أثر]اغ أصلاً.

انكمشت بخجل وقد تذكرت ما حدث بينهما البارحة، وضمت الغطاء لتختفي تحته، بينما تعجب هو لحالتها قائلاً :- أنتِ بتعملي إيه؟ رحيق!

هتفت بتلعثم:- هذا الاسم غير موجود بالخ[أثر]ة من فضلك أطلبه في وقت لاحق..

كبح ضحكاته قائلاً بعبث وهو يدرك خجلها منه :- خ[أثر]ة إيه بس! ومالك مستخبية عندك كدة؟

أردفت بتذمر :- الجو حلو هنا..

أردف بخــ,,ـــــبث وهو يسحب الغطاء :- وريني كدة طيب.

هزت رأسها ب[حدة] قائلة بصراخ :- لا لا مش حلو أنا بكدب عليك..

حاوط خصرها بتملك قائلاً بمكر:- أنا اللي هقرر إن كان حلو ولا لا.. بقلم زكية محمد

و عن[أثر]ا همت لتعترض تبخر رفضها في مهب الريح وهي في حضرة هيبته الطاغية مستسلمة لتلك المشاعر التي تغزوها بضراوة.

بعد وقت [إيذاء]ته بصدره قائلة بتذمر و شراسة :- مكنتش أعرف إنك قليل الأدب كدة يا فريزر..

وعن[أثر]ا لاحظت نظراته الصارمة نحوها أردفت بتوتر :- قصدي ….يا مراد أنا… أنا مقصدش..

ضيق عينيه بغيظ قائلاً :- ماشي هعديها بمزاجي المرة دي..

أردفت بخجل :- طيب أبعد أنا عاوزة أروح أشوف بابا..

رفع حاجبه باستنكار قائلاً :- تروحي فين معلش! رحيق أصطبحي و قولي يا صبح، ما تفوريش [أثر]ي وأحنا لسة في بداية اليوم.

أردفت بحنق :- دة بابا يا مراد وأنا عاوزة أشوف أخد الدوا ولا لا.

أردف بتهكم:- لا متخافيش عمي أخد الدوا وزي الفل.

أردفت بتعجب :- أنت عرفت إزاي؟ هو قالك؟

جز على أسنانه بغيظ قائلاً :- اه قالي، رحيق اسكتي الله يخليكي أنا على آخري منك.

شهقت بتذكر، ليهتف الآخر بقلق :- في إيه؟

أردفت بجبين مقطب :- أنا جعانة أوي و عاوزة أفطر!

قبــ,,ـــــض على يده بقوة، وهو يعض على شفتيه بغيظ قائلاً:- قومي يا رحيق قومي و روحي الحتة اللي تعجبك.

قال ذلك ثم دلف للمرحاض و أغلق الباب خلفه ب[حدة] أرتجفت على أثره قائلة بحنق :- يا باي عليك يا فريزر..
ثم وضعت يدها على ثغرها وهي تتطلع للباب خشية أن يسمعها و عندها لن يمرر الأمر مرور الكرام.

______________________________________

ليلاً صعد للأعلى و بيده باقة زهور حمراء، وهو يتذمر بداخله قائلاً:- و أديني أهو جبت الورد زي ما قالت عمتي بعد ما اللي يسوا و ميسواش بصولي وكأني عامل جريمة، ياكش ياجي بفايدة.
ضغط على مقبس الجرس، لتفتحه منال بسرعة، فدلف للداخل بهدوء وهمس لعمته :- هي فين؟

هتفت بغيظ :- طب قول السلام عليكم الأول!

أردف بحرج :- إزيك يا عمتي يا عسل أنتِ؟

مصمصت شفتيها بع[أثر] رضا قائلة :- أهو كلام و ضحك على الدقون، ربنا يخليك يا ابن أخويا يا اللي بتسأل عني في اليوم يجي خمس ست مرات..

أردف بحنق بداخله:- مش هنخلص النهاردة.

ابتسم بأمل قائلاً :- طيب حيث كدة بقى نشوف شغلنا. بقلم زكية محمد

أنهى كلماته ثم توجه ناحية الغرفة، و فتح الباب و دلف للداخل بهدوء، فوجدها تقف قبالة الشرفة تنظر أمامها بشرود، وقف للحظات يطالعها يختلس النظر والامعان فيها، قبل أن تقوم العاصفة ككل مرة.

تقف تشاهد المارة بروح خاوية نُزِعت منها الحياة، تتساءل متى سترسي سفينة راحتها على البر، فقد تعبت من العواصف البحرية و التيارات التي تجدف بها بمفردها، لم تعد هناك قدرة لديها للمواصلة فقد خارت وأصبحت رفاتاً.

عصرت مقلتيها ب[حدة] عن[أثر]ا شعرت به يقف خلفها، معذب روحها و بلسم جروحها، أي جنون هذا؟!

وضع باقة الزهور على المقعد، واقترب منها بخطوات حذرة حتى توقف خلفها مباشرة، و حاوط خصرها قائلاً بلهفة ظمآن بالصحراء ولم يجد له نقطة ماء تروي عطشه:- وحشتيني.

اقشعر بدنها من قربه المهلك لها، إلا أنها أخذت تناضل حتى لا تخسر في تلك الحرب القائمة، إذ هتفت بحنق :- أوعى إيدك دي عني كدة..

أحكم حركتها بذراعيه قائلاً برفض قاطع :- لا أنا مش هبعد مهما تعملي، أنتِ وحشتيني اوي هو أنا موحشتكيش!

أردفت بشراسة :- يا برودك يا أخي و لا كأنك عملت حاجة و جاي تضحك عليا بكلمتين، لا يا حبيبي أنا مابيكلش معايا الكلام دة.

تغاضى عن حديثها إلا كلمة واحدة و أردف بمكر :- الله كلمة حبيبي طالعة من شفايفك حلوة أوي، ما تدوقيني منها شوية..

أخذت تدفعه ب[انفعال] قائلة بغيظ مغلف بالخجل:- أدوقك إيه يا قليل الأدب! أبعد كدة.

أردف بخــ,,ـــــبث :- أنا قصدي تدوقيني من الكيك اللي أنتِ عملتيه النهاردة، أنتِ اللي ضميرك مش سالك.

ضيقت عينيها قائلة بغيظ :- والله!

أردف ببراءة :- أيوة طبعاً، أومال أنتِ بالك راح لإيه يا خلبوصة؟

أخذت تقاتل بضراوة لتتحرر من أسره قائلة بحنق:- طيب سيبني بقى، و بطل عمايلك دي لأنك مهما تعمل مش هسامحك، و مستنية ورقة طلاقي منك قريب.

اصطك فكه ب[حدة] قائلاً ب[انفعال] مكتوم :- كلمة طلاق دي لو جات تاني على لسانك هقطعهولك، أنتِ سامعة؟

أردفت بسخرية :- يا سلام! مش دة كان كلامك ليا ولا أنا غلطانة! متضايق ليه دلوقتي أديني أو هخلصك مني علشان ترتاح.

خيم الحزن على عينيه قائلاً بن[أثر] :- ومين قالك إني كدة مرتاح؟ مريم أرجعي ماشي أزعلي مني و أعملي اللي أنتِ عاوزاه بس وأنتِ معايا، أنا مبعرفش أنام من وقت ما سبتي البيت ولا عارف راحة ولا أي حاجة، مريم أنا اكتشفت إن حياتي من غيرك ولا حاجة..

أردفت بجمود وهي تحارب تأثير كلماته عليها :- أبقى أشتريلك منوم علشان تعرف تنام دي مش مشكلتي.

أردف بغيظ :- مش مشكلتك! طيب اسمعي بقى لو مجتيش البيت على آخر الأسبوع كدة، متلومنيش في اللي هعمله.

أردفت بتحدٍ :- اللي معاك أعمله أنا مش خايفة منك ها.

أردف بوعيد :- ماشي يا مريم لما نشوف شجاعتك دي هتوصلك لفين!

وقع بصره على الورود فالتقطها قائلاً بسخط وهو يق[أثر]ه لها :- خدي الورد دة يا مشحتفاني، دة أنا اتجرست بسببه في الحتة و كله بسببك.

وضعت يدها في خصرها قائلة بحنق :- وأنا مالي أنا قولتلك جيبه!

هز رأسه بيأس قائلاً :- أنا أصلاً استاهل [إيذاء] الجزمة إني جبت زفت ورد.

و بلحظة ألقى بها أرضاً ب[حدة]، ثم أخذ يدعس عليها بق[أثر]ه قائلاً بانفعال :- و أدي الورد يقطع الورد واللي اشترى الورد…

راقبته بذهول فأردفت بحدة :- الورد يا [متهور] أنت بتعمل إيه، أوعى كدة..

أردف ب[انفعال] :- وأنتِ خليتي فيا عقل، بت أنتِ أوعية تكوني فاكراني هسكت على الوضع كتير، إذا كنت ساكت دلوقتي فدة بمزاجي.

أردفت بشراسة :- أمشي أطلع برة أنا مش عاوز أشوفك. بقلم زكية محمد

مط شفتيه بسخرية قائلاً :- والله دة بيت عمتي واقعد في الحتة اللي تعجبني..

– خلاص يبقى أنا اللي همشي.

وما إن همت لتغادر الغرفة جذبها ناحيته ب[حدة]، و احتجزها بينه و بين الحائط خلفها، فتوترت قائلة :- أنت… أنت… أبعد..

أردف بهدوء :- هبعد بس بعد ما أخد جرعتي..

لم تفهم مرمى حديثه، إذ أقترب ليروي ظمأه بعد أن أصبحت جدار قلبه صحراء قاحلة، بينما كانت هي كالمغيبة

الصفحة السابقة 1 2 3 4

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *